مدونة باتر وردم
مقالات وآراء حول الإعلام والثقافة والعلوم والمستقبل في الأردن والعالم العربي

القرف من الجرائم المرتكبة بحجة الشرف

هذا المقال لم ينشر في الصحافة اليومية في الأردن، بالرغم من أنه مكتوب بعد جهد كبير من اللف والدوران حول قانون المطبوعات والنشر والوصاية الأجتماعية الفارغة. أعيد نشره هنا مع إضافة فقرات باللون الأحمر تعبر عن موقفي بشكل أفضل وأكثر صراحة. الفقرات باللون البني هي التي كانت في المقال الأصلي المشفر من الرقابة الداخلية للكاتب والذي لم ينشر برغم ذلك.  

 

سمح الإنفتاح الديمقراطي النسبي في السنوات الماضية بمناقشة العديد من القضايا الساخنة في الأردن بطريقة تضمن وجود عدة مواقف ووجهات نظر تجاه القضية مثار البحث وبمستوى مقبول من احترام الرأي الآخر. ولكن التحول النوعي من المناقشة إلى التنفيذ كان يشوبه التلكؤ في معظم الأحيان خاصة عندما يتعلق الأمر بتعديل قوانين وتشريعات قديمة وغير متماشية مع العصر لتتماشى مع المعطيات الجديدة.

ولكن أحد القضايا التي فشل المجتمع الأردني ووسائل إعلامه في مناقشتها بالمنطق المطلوب هي قضية جرائم القتل المرتكبة ضد بعض الفتيات والسيدات بحجة "الشرف" – وهي المرة الأولى والأخيرة التي سوف أستخدم فيها كلمة الشرف في هذا المقال- والتي يذهب ضحيتها ما معدله 25 قتيلة سنويا.

ربما يكون العدد النهائي للضحايا قليلا مقارنة بضحايا حوادث السير مثلا، أو ببعض الدول مثل سوريا والتي يقدر عدد ضحايا هذه الجرائم فيها 200 ضحية سنويا، ولكن الأبعاد الثقافية والنفسية والاجتماعية والدينية المرتبطة بهذه الظاهرة السلبية تجعل من المهم جدا مناقشتها، ولكن الأهم من ذلك كله الأبعاد القانونية. 

هذه الجرائم هي جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصد ومع ذلك فإن القانون الأردني يقدم للقاتل ذريعة للتهرب من مسؤولية الجريمة بحجة "العذر المخفف" عندما ينتاب القاتل الغضب بسبب "السلوكيات الخاطئة" للضحية ويفقد السيطرة على أعصابه ويرتكب الجريمة ويتيح له القانون الحصول على عقاب مخفف خاصة إذا تنازل أهل الضحية عن حقهم الشخصي وهذا ما يحدث في معظم الأحيان بسبب وجود قناعة مؤسفة لدى معظم العائلات أن الذكر قد قام بعمل بطولي.

من الصعب الحديث اجتماعيا عن تفاصيل الحالات لأنها تمس خصوصيات العائلات، (يستطيع ذكر ما أن يقتل شقيقته أو إبنته ليجعل 4 ملايين مواطن أردني ومليون عراقي ونصف مليون مصري يعرف عن الموضوع ولكن لا تستطيع الصحافة الكتابة عن خصوصيات الحداثة احتراما لمشاعر وسمعة العائلة) ولكن مراجعة سريعة للتفاصيل التي سمح بنشرها في وسائل الإعلام وأحيانا من محاضر الشرطة والطب الشرعي تعطي إنطباعا مباشرا بأن ما يحدث هي جرائم قتل منظمة ومبرمجة مبنية على الشبهة وليس الحقائق في أغلب الحالات، وبالتالي فإن العذر المخفف يفقد دوره وتصبح الجريمة بحاجة إلى أن يتم التعامل معها كجريمة قتل متعمدة.

في معظم الحالات يكون القاتل قد هيأ نفسه مسبقا إما بمسدس محشو بالطلقات (أحدهم وصل إلى المنزل ومعه مسدس محشو ليقتل شقيقته وواحد آخر قتل أربعة من يقاته مرة واحدة) أو بأداة حادة أو حتى بالخنق باليدين وتحت الماء (أحدهم أخذ أخته في رحلة إلى البحر الميت وختقها تحت الماء) وهي كلها ممارسات تحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وهدوء أعصاب وإرادة ووضوح في الرؤية. وفي واقع الأمر من الصعب لأي شخص يحمل قدرا من الذكاء أن يقتنع بأن هذه الجرائم تتم بفعل "سورة غضب" فورية! ولكن القضاء يستنتج أن الجريمة هي بسبب سورة غضب غير مسيطر عليها، اي هراء هذا؟

ولكن الضغوطات الاجتماعية التقليدية التي تحيط بسمعة الفتاة في مجتمعنا تجعل من هذه الجرائم موضع إشادة اجتماعية وبالتالي حماية قانونية. هذا الواقع يغضب مجموعة كبيرة من المؤيدين لحقوق الإنسان والديمقراطية وحتى من المتدينين الذين يعرفون حقيقة أن الدين الإسلامي لا يقبل ابدا هذه الجرائم ويحتاج إلى أدلة وبراهين لحظية اثناء وقوع جريمة الزنا المفترضة من أجل القصاص (في واقع الأمر فإن محاولة كتابة الشروط التي يتطلبها الشرع الإسلامي لإثبات الزنا تتجاوز حدود قانون المطبوعات والنشر الأردني ايضا). ولكن المشكلة أن أغلبية المجتمع وحتى الكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية تدافع عن هذه الممارسات، ويمكن لنا أن نعود إلى بعض تصريحات وخطابات ومقالات أعضاء في البرلمان (محمود الخرابشة مثالا)  وأقطاب سياسية بعضها يدعي أنه يساري (ناهض حتر مثالا) ليجد العجب العجاب من الاتهامات المسبقة للمرأة ومنح الذكر ترخيصا بالقتل تلافيا للفتنة وحفاظا على الخصوصية الأردنية!

الكثير من حالات القتل كان سببها الشك والمعلومات الخاطئة، وبعضها كان بسبب خلافات عائلية مالية لا تمت بصلة لا للشرف ولا للأخلاق ولكن تم إستخدام هذا العذر لإرتكاب جريمة التخلص من الأنثى وقتلها مرتين بتشويه سمعتها أيضا. وحتى لو كان القضاء التشريعي قد إستدرك تلك الحقيقة في إيقاع عقوبة أكبر على الجاني في هذه الحالات فإن القضاء الإجتماعي الأشد وطأة بقي محتفظا بالحجة التي تم إستخدامها لتبرير الجريمة.

من الصعب الحديث عن حلول ديمقراطية في هذا الصدد، ولا يوجد إلا واحد من طريقين. الأول هو الإستسلام للمنطق الاجتماعي المتخلف السائد وإستمرار منح القانون رخصة للقتل بحجة العذر المخفف ولكن في هذا الصدد ينبغي الصراحة مع النفس والتأكيد على ان هذه القوانين تنتمى لقرون قديمة ولا تتناسب مع دولة ديمقراطية فيها احترام لحقوق الإنسان وأنها تناسب دولة متخلفة في زمن الظلمات. أما الحل الآخر فهو فرض تعديل جديد على القانون يلغي تماما العذر المخفف ويعامل هذه الجرائم كما تستحق من جرائم قتل متعمد وليحمل الجاني سمعة القاتل لا سمعة البطل المنقذ للشرف كما هي الحالة.

منع الإنحراف في المجتمع لا يتم بقتل الإناث. جريمة الزنا إن حدثت يرتكبها شخصان وفي مجتمع تقليدي مثل المجتمع الأردني فإن الذكر الشريك في الجريمة يكون هو صاحب السلطة فقد يكون عشيقا خدع الفتاة، أو حتى من العائلة نفسها في كثير من الحالات أو قد يكون مستغلا ومنتهزا لظروف نفسية واقتصادية سيئة للفتاة ومن المعيب أن يخرج الذكر بدون عقوبة بينما تدفع الأنثى الثمن كاملا.

في حالة فريدة حديث قبل اشهر اقدمت فتاة على قتل شاب حاول الإعتداء عليها، ولكن لا أذكر نوعية الحكم الذي صدر ضد الفتاة. في المنطق ينبغي أن يتم تبرئتها تماما لأن الحادثة هي دفاع عن النفس ولو لم تقم الفتاة بقتل المعتدي لدفعت هي الثمن اجتماعيا وقانونيا وثقافيا. في حال رفض المجتمع للتخلي عن العذر المخفف للشاب بحجة غسل الشرف من المهم تزويد الفتاة بنصوص تشريعية تحميها في حال قيامها بالدفاع عن نفسها سواء بالإبلاغ عن شخص إعتدى عليها من الاقارب أو في حماية نفسها من الإعتداء الجسدي عن طريق حملها لسلاح يتم إستخدامه بشرعية ضد المعتدين.

حملات الضغط والتوعية الكثيفة التي تمت في السنوات الماضية (وبعضها بقيادة الملكة رانيا والأمير علي) لم تغير شيئا في قناعات الناس حول هذه الجرائم والتي لا يزال ينظر إليها بعين العطف والقبول خاصة من قبل الذكور الذين يعتبرون القانون أداة اساسية في قيامهم بدور الوصاية والردع السلوكي على الإناث. ولكن هذه الجرائم هي في نهاية الأمر جرائم قتل ولا يجوز الإحتفاء بها وكأنها بطولة ما إلا أردنا ترسيخ صورة مشوهة عن الأردن وقوانينه وهذا ما يتعارض تماما مع كل الطموحات والشعارات التي تنادي بها الحكومة والقيادة الأردنية يوميا.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 مايو, 2008 03:00 ص , من قبل Iris
من الولايات المتحدة


You are right that only 20 women get killed a year but you cannot compare them to the number of deaths by natural causes. The comparision should be relative to the number of unnatural deaths affecting women (murders). When using a different test, the result will be devastating. Maybe more that 75% of murdered women are a killed in relation to honor crimes. This changes many things.

My future prediction is that one day, not too far from now, a high international court will find that these deputies, who defended honor crimes, have indeed committed incitement to genocide.

I wonder if deputies ever thought about that day.


اضيف في 16 مايو, 2008 10:32 ص , من قبل Onzlo

Good article, finally spells out what needs to be said about these crimes, can't you try to find another outlet to publish these important articles in ? Im sure some newspapers are willing to publish it even if it may take some modifications because it would be a shame not to have this read by a wide variety of people including judges and lawmakers.


اضيف في 16 مايو, 2008 03:32 م , من قبل The Arab Observer
من الأردن

*clapping*

Bravo Batir, this is an excellent artilce. It is sad that you couldnt publish it in an official newspaper!

It is time to drop that law! Enough is enough!


اضيف في 16 مايو, 2008 09:10 م , من قبل Tololy
من الأردن

امين يا سيد باتر.

من العجيب أن مقالك لم ينشر فأنا لم أر فيه ما يخدش الحياء العام أو الأدب أو الاعتبارات الأخرى. انما أتمنى ان تحاول أن تكتب مثله و أن يتم نشره لأن الموضوع غاية في الأهمية و يقع على عاتق الإعلام توعية الناس بهذا الخصوص.


اضيف في 28 مايو, 2008 03:11 م , من قبل sammarco

في البداية يعطيك العافية على جهدك في إعداد هذا المقال ، ثانياً يا عزيزي ألا ترى أن إلغاء قانون العذر المخفف قد يزيد ( الطين بلة ) واعذرني لمصطلحاتي العامية ، لأن المجتمع الأردني يواجه حالياً الكثير من المشاكل والقضايا الأخلاقية ، وعلى فكرة في إحدى الدورات النيابية قبل عدة سنوات دعا عدد من النوام لإلغاء بند العذر المخفف في قضايا الشرف ، إلا أنه جوبه بمواجهة من عدد أكبر من النواب ، إحنا بدل ما نقعد نفكر في إلغاء أو عدم إلغاء هذا القانون ، ليش ما نبحث في الأسباب التي تؤدي الى هذه النتيجة ، أن الشاب يقدم على قتل أخته أو زوجته أو ابنته ، فاذا تم إلغاء هذا القانون ماذا تنتظر من الشخص الذي يجد نفسه في موقف محرج أمام زوجته او ابنته او اخته ، أقول ماذا تنتظر منه أن يفعل !!!
يا جماعة الخير مجتمعنا طول عمره نظيف ، بس الانفتاح الزايد عن حده أدى بنا الى هذه المرحلة الحرجة من الانفلات الأخلاقي والشواهد كثيرة ، لا أدعي بأنني مصلح اجتماعي ، لكن نحاول نصلح أنفسنا ونصلح بيوتاتنا لئلا نضطر للوقوف مرة أخرى أمام قضية من هذا النوع
أكرر شكري لك على هذا المقال




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني