أثبتت الكثير من الأحداث التي تمت في مستشفيات حكومية في الاسابيع الماضية الحاجة إلى وجود تشريع مرن ولكن واضح لضبط ممارسات التعامل مع الأخطاء الطبية في الأردن بحيث تضع بعين الإعتبار حقوق الطبيب والمريض معا بدون ترك التطبيق لتأويلات وقرارات قد تكون متسرعة وربما ظالمة في حق أحد الطرفين. قرار توقيف طبيب في مستشفى الزرقاء الحكومي على خلفية الوفاة الحزينة والمؤسفة لطفل بسبب تراجع حالته الصحية بعد المعاينة يفتح مرة أخرى ملف التعامل القضائي والأمني مع الأطباء ومعادلة الحقوق والمسؤوليات المترتبة على الأضرار الطبية. بالطبع لا يمكن أن نجزم حدوث خطأ طبي في حالة وفاة الطفل حسني، فالحالة أكثر تعقيدا من قضية المرحوم الحفناوي في مستشفى الأمير حمزة. الطفل المرحوم حصل على الرعاية الصحية في دخوله المستشفى ولكن وضعه الصحي تدهور بعد الخروج وهنا من الصعب إطلاق الأحكام قبل التحقيق. اهل الطفل المفجوعين بخسارتهم المؤلمة يضعون اللوم على الطبيب لأنه أخرج الطفل من المستشفى ولم يضعه تحت العناية بينما الطبيب والمستشفى يؤكدون تقديم الخدمة الصحية الكافية وإستقرار حال الطفل حسب المؤشرات الطبية مما أعطى المبرر الطبي لإخراجه من المستشفى. في هذه الحالة ربما يكون توقيف طبيب على خلفية تدهور في صحة مريض داخل منزله نوعا من الظلم، بالرغم من كل الإحساس بالحزن والأسى على وفاة الطفل. إذا كان الطبيب يتحمل مسؤولية فإن ذلك سيتم معرفته في تحقيق طبي وأمني ولكن ليس من الضروري أن يصبح كل طبيب عام أو خاص مهددا بالتوقيف والسجن الفوري بعد وفاة مريض كان يعالجه فهذا الأمر سوف يرفع من نسبة التخوف والتوتر ويجعل الكثير من الأطباء يتهربون من التعامل مع بعض حالات الطوارئ لخوفهم من حدوث مضاعفات صحية يدفعون ثمنها سجنا وتوقيفا. الحالة الأخيرة في مستشفى الزرقاء توضح مرة أخرى مدى الإختلاف التام في فلسفة إدارة المستشفيات العامة والخاصة. في المستشفيات ومراكز الصحة العامة يؤدي الضغط الكبير من المراجعين إلى وجود توجه نحو "عدم إدخال" إلا الحالات الصعبة والخطرة وغير المستقرة للمبيت تحت المراقبة وإخراج الحالات المتوسطة أو التي ييتم التوصل إلى قناعة بوجود إستقرار في حالتها إلى الرعاية المنزلية. أما في القطاع الخاص فإن التوجه هو في التركيز على إدخال المرضى للمبيت والجراحة أحيانا حتى لو لم يكن هناك مبرر طبي كاف لأن القيمة الأساسية هي القيمة الفندقية للعلاج. وفي كلتا الحالتين توجد تجاوزات لحقوق المرضى في الرعاية الصحية المتناسبة مع الوضع الطبي للمريض بدون مبالغة أو تقصير. قانون المساءلة الطبية تم "إجهاضه" من قبل نقابة الأطباء عدة مرات حرصا من النقابة على مصالح منتسبيها، ولكن عندما تتكاثر الحالات التي يكون فيها الطبيب موضع إتهام أو يتعرض قيها المرضى إلى سوء معاملة فإن وجود قانون عصري يتم إعداده بمشاركة النقابة أفضل من اللجوء لقوانين أخرى تشكل ظلما على الطبيب وعلى المريض أحيانا. الوصول إلى معادلة تكفل حقوق الطرفين معا ممكن جدا من خلال قانون متطور وذكي للمساءلة الطبية وهو بات حاجة ملحة لضبط الحقوق والمسؤوليات.
الجمعة, 02 مايو, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














باتر، لا أعتقد أن المشكلة هي في القانون، أعتقد إنها في تطبيق القانون، وليس فقط في المستشفيات ولكن في كل شيء تقريباً