مرصد الأردن
متابعة وتحليل لشؤون الإعلام والتنمية في الأردن من وجهة نظر ديمقراطية اجتماعية مع بعض المقالات الشخصية. الآراء الواردة في هذه المدونة هي للكاتب شخصيا ولا تعكس أي توجه ورأي لأية مؤسسة يرتبط بها مهنيا.

الفضيلة الغائبة في الأردن

أول أمس كنت أقود سيارتي بالصدفة أمام فندق أنتركونتننتال وطالعتني مشاهد عشرات السيارات الفارهة أمام الفندق وتذكرت وقتها أن الخلوة الاقتصادية لمناقشة السياسات المتبعة لمواجهة الغلاء كانت تعقد في ذلك الوقت. أوقفت سيارتي وقمت بعملية تقييم سريعة لأنواع السيارات ذات النمرة الحمراء الموجودة أمام الفندق وتأكدت بما لايدع مجالا للشك أن كل هذه السيارات تتجاوز محركاتها 2500 سي سي، وشاهدت عددا قليلا من السيارات التي تقل عن 2000 سي سي ويبدو أنها لزوار إلى الفندق إذ أنها كانت جميعا من ذوات النمر البيضاء.

أحد القرارات التي كان يمكن إتخاذها في الخلوة هو إستبدال السيارات الحكومية الكبيرة بسيارات ذات سعة محرك أقل من 2000 سي سي وهذا ما يعني توفيرا بنسبة 50% على الأقل من فاتورة البنزين. ولكن من المؤكد أن قرارا كهذا لن يتم إتخاذه لأن فيه إنتهاكا لمؤشرات الهيبة والوجاهة الإدارية العامة والتي تتطلب أسطولا من السيارات الفاخرة والملايين التي تصرف على الاثاث والإستقبالات والمياومات والضيافة.

لا نلوم الحكومة فقط، ويمكن أن ننتقل إلى المؤسسة التي يفترض أن تمثل الشعب الأردني وهمومه وهي مجلس النواب. عدد من النواب يتحركون بنشاط للمطالبة ببعض "الحقوق المنقوصة" التي يعتبرون أنها تشكل جزءا لا يتجزأ من مكتسبات نائب الوطن. هذه المطالبات تتمثل في زيادة الرواتب وإعفاءات جمركية لسياراتهم وتحسين في السمتوى المعيشي وبالطبع كل ذلك من أجل مواجهة المتطلبات التي يفرضها جهد النواب العظيم للدفاع عن حقوق الشعب الأردني. وفي الوقت الذي ينتقد فيه الكثير من النواب النفقات الحكومية الباهظة نجد أن نسبة عالية من الإنفاق تتم على السفرات والمياومات لأعضاء مجلس النواب في ممارسة أخرى للبذخ وهدر المال العام والوجاهة لا تقل ابدا عن الهدر الحكومي.

فضيلة التواضع غائبة ايضا لدى الكثير من الناس في المجتمع الأردني. في جلسة إستمرت لمدة ساعة في أحد المقاهي في عمان وجدت نسبة لا تقل عن 20% من السيارات التي تمر في الشارع من ذوات الدفع الرباعي المستهلك للطاقة والباهظ للثمن. لا أعتقد أن 20% من الشعب الأردني هو من الأثرياء وربما تكون معظم هذه السيارات تم شراؤها بالأقساط من أجل الوجاهة الاجتماعية بينما اسعار البنزين الملتهبة تحرق جيوب أصحاب هذه السيارات التي تحتاج إلى التعبئة كل يومين أو ثلاثة.

حاول عزيزي القارئ أن تجول على مطاعم عمان ليلا وسوف تجد أن غالبيتها العظمى محجوزة ومليئة بالناس وفواتير الطعام الباهظة، ولك أن تقارن اسعار الهواتف الخلوية الموجودة بين ايادي المواطنين ومعظمها يتجاوز 150 دينارا إضافة إلى الفواتير الشهرية. وثيقة السلط الجديدة حاولت أن تحقق إختراقات نوعيا في العادات والتقاليد المكلفة اقتصاديا ولكنها قوبلت بإعتراض غريب من قبل العديد من الناس حسب التعليقات التي نسمعها في المجتمع ونقرأها على المواقع الإلكترونية لأن ثقافة الوجاهة الاجتماعية لا زالت سائدة في المجتمع.

هذه الثقافة غير موجودة ابدا حتى في الدول الصناعية. أجزم بأن المجتمعات في دول أوروبا الغربية تحرص على التوفير وتقليل التكاليف من خلال تغيير العادات الاستهلاكية. زرت العديد من الدول الأوروبية ووجدت الإيطاليين يحرصون على شراء السيارات الصغيرة لتوفير البنزين، والألمان يشترون الخضار والفاكهة "بالحبة" وليس بالكيلو ويعيشون حياتهم ضمن هذا النظام والسيارات المفضلة في ألمانيا هي الصغيرة بالرغم من وجود عمالقة صناعة السيارات هناك لأن الإنفاق الأهم هو على التعليم والصحة وتدبير الاقتصاد المنزلي.  

التواضع في أنماط الحياة ليس إنتقاصا من الوجاهة بل هو حكمة وتدبير مهمين، وفي وضع اقتصادي مثل اذلي نعيش به فإن فضيلة التواضع ضرورية على مستوى الحكومة والمجتمع أيضا.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 26 ابريل, 2008 03:52 م , من قبل Travoltau
من الأردن

كلامك صحيح اخي باتر ولكن هنالك بعض الجزئيات التي اريد مناقشتها او الحديث عنها باختصار.
وفي البداية موضوع السيارات الفارهة التي يملكها المسؤولين حيث يبلغ ثمن الواحدة ما يزيد عن 50 الف دينار على الاقل ، بينما المواطن يعيش وبتعب العمر كله من اجل تحصيل سيارة متواضعه ولكن في المصحلة لم نصل بعد الى مربط الفرس،فلو اهملنا ظاهرة السيارات الفارهة للمتنفذين،وتوجهنا بالانظار الى الشعب نرى ان اكثر من 80% من الشعب الاردني او يزيد عليهم اقساط للبنوك بسبب مظاهر التقليد الاعمى للغير والاسوء والتقليد الاعمى والغير مقبول لذلك كنت انظر سابقاً الى الشخص الذي لديه سيارة اخر موديل على انه راقي جدا وصاحب نفوذ ومال ولكنني بعد ان تعرفت على احدهم ودخلت بيته ايقنت تماماً انه يعيش مستنقع من الكذب.
واود الاشارة الى ان هذه الظواهر ليست لدي الشعب الاردني فقط بل لدي جميع الشعوب العربية وتحديداً جول الخليج العربي فالديون و الاقساط البنكية تغطى الخليجين من الراس الى اخمص القدمين.
نسال الله الستر
وشكرا لك على المقال الرائع
تقبل تحياتي


اضيف في 26 ابريل, 2008 09:30 م , من قبل Deena

I know we have a green party, do they ever campaign for these things? Do you happen to know if the party even survived the new law?


اضيف في 26 ابريل, 2008 11:49 م , من قبل laithz
من الأردن

I completely agree with you Batir. however, change in behavior is not going to come by sense or convincing. The rise in living expense is going to force people to cut down on spending, start taking public transport or walk to work if they can, say goodbye to tomatoe salads and gallayet bandorah and start buying fruits and vegies by the piece.

As for our beloved parliament representatives, they will change once we -the people- change.

Keep those good topics coming.


اضيف في 08 مايو, 2008 09:58 ص , من قبل DAMEER68
من الأردن

اخي باتر.....
الحقيقة ان هذا يذكرنا بالخليفة العادل عمر بن الخطاب وسياراته الفارهة والتي فتح بها بيت المقدس عندما كان يركب دابته مرة والخادم يقوده ومن ثم يركب الخادم مرة ويقوده عمر.......
وهؤلاء المسؤلين اعتقد انهم يسلكون مسلك عمر بن الخطاب........ والله يقويهم ويركبو سيارات فارهة اكثر وبتصرف بنزين اكثر ......على حساب دافع الضريبة..... ويشيخو عليه كمان.....




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني