مرصد الأردن
متابعة وتحليل لشؤون الإعلام والتنمية في الأردن من وجهة نظر ديمقراطية اجتماعية مع بعض المقالات الشخصية. الآراء الواردة في هذه المدونة هي للكاتب شخصيا ولا تعكس أي توجه ورأي لأية مؤسسة يرتبط بها مهنيا.

مبادرة "مدرستي": شراكة فريدة لتحقيق هدف وطني

معظم ما كتبنا عنه الأسبوع الماضي كان سلبيا، سواء في المقالات التي نشرت أو التي لم تنشر. وهذا حال طبيعي فقد تزايدت الضغوطات الاقتصادية والإحباطات المعنوية وكذلك المشاعر الرافضة لكثير من القرارات الاقتصادية والإستثمارية التي تم أتخاذها مؤخرا. ولكن هذا المناخ السلبي يجب أن لا يمنعنا من رؤية الإيجابيات التي تحدث في هذا البلد وتقدير جهود آلاف الأردنيين الذين يعملون على تطوير وتنفيذ أفكار ذكية وخلاقة لتحسين العديد من عناصر الحياة للمواطنين في مختلف قطاعات التنمية.

أحدى الإنجازات التي تستحق التقدير والمناقشة هي مبادرة "مدرستي" والتي أطلقتها الملكة رانيا وبتعاون مشترك ما بين مؤسسات من القطاع الخاص والعام والمنظمات غير الحكومية. المبادرة تتميز بأنها تستجيب للمتطلبات الاساسية في تحسين البيئة التعليمية مثل تطوير المدارس من ناحية الصيانة والتركيز على الإحتياجات التعليمية التي يحددها الطلاب والمدرسون في المدارس وليس التخطيط المركزي.
 
 

في هذا المبادرة تشترك 500 مدرسة حكومية من محافظات المملكة المختلفة، وستكون بداية العمل في محافظات عمان والزرقاء. المبادرة تستهدف المدارس الحكومية التي تعاني من ضعف الموارد المالية والفنية وتركز أولا على صيانة المرافق مما يساهم في إنتاج بيئة تعليمية مناسبة من ناحية الوسائل التعلمية أو الحقوق الأساسية للطالب في مدرسة دافئة ونظيفة وآمنة. تحسين البنية التحتية هو المحور الاساسي للمبادرة وسيتم إنفاق معظم الموارد المالية على هذه الإحتياجات الأساسية والتي قام الطلاب والمدرسون أنفسهم بتحديدها عبر عرض تعليمي متميز ومتعدد الوسائط والاساليب تم إعداده في الأيام الماضية وعرضه في يوم إفتتاح المبادرة.

أما المحور الثاني في المبادرة فهو تعزيز نوعية التعليم وبيئته من ناحية تحقيق شروط المدارس السليمة والصحية وتطوير أدوات التعليم وكذلك تدريب المعلمين على القيام بواجباتهم من خلال إكتساب مهارت إضافية تدعم خبراتهم السابقة في هذا المجال.

ميزة هذه المبادرة أنها تمكنت من جمع الموارد المالية والفنية والخبرات التقنية للقطاع العام والخاص والمنظمات غير الحكومية حيث يوجد حاليا 13 شريكا في المبادرة وباب الشراكة مفتوح لجميع المؤسسات القادرة على تقديم المساهمات الخاصة بأهداف المبادرة والقيام بالدور المطلوب في المسؤولية الاجتماعية، خاصة أن أول مساهمة بعد إطلاق المبادرة كانت من جلالة الملك عبد الله الثاني بثلاثة ملايين دينار. كما سيتم التنفيذ من قبل لجنة مجتمع مدرسية خاصة توكل إليها مهمة إدارة محاور المبادرة في كل مدرسة مما يضمن ملكية المشروع.

هذه الطريقة في العمل متميزة وخلاقة، وهي تستهدف الإحتياجات الأساسية ويحتاج نجاحها إلى الكثير من الجهد والإيمان بهذا المشروع وخاصة في المراحل التي يمكن أن تواجه صعوبة ما كما هي حال كل المشاريع وأن تكون قيمة العمل العام أهم في التنفيذ من الطموحات الخاصة والتي قد تؤدي إلى حالة من التنافس سواء بين الشركاء أو حتى بين المدارس المستفيدة. هذا المثال من المبادرات طموح جدا لأنه يضم كل شركاء التنمية تحت مظلة واحدة، والفئة المستهدفة هي طلاب المدارس وبالتالي فإن مسؤولية الخروج بنتائج إيجابية ستكون عالية جدا. نجاح هذا المثال ستكون له إنعكاسات هامة جدا على مشاريع مستقبلية في قطاعات أخرى تتطلب حشد الموارد من الرأسمال الوطني والروح التطوعية في المنظمات غير الحكومية والخبرة الإدارية في القطاع العام، وهذه العناصر الثلاث هي التي يمكن لها معا أن تشكل نقلة نوعية في أنماط التنمية في الأردن.

تحت التفاصيل الإجرائية للمبادرة والجدول الزمني يكمن عنصر يشكل الروح الاساسية لهذه المبادرة وهي الشراكة من أجل تحقيق هدف وطني، وهذا نموذج تحدثنا عنه كثيرا من الناحية النظرية ولكنه لم يتحقق على أرض الواقع. هناك العديد من الطموحات لمشاريع وطنية لإدارة المياه وتنويع مصادر الطاقة وتحقيق نقلة نوعية في الزراعة وغيرها ولكن الشراكة الزئبقية بين الرأسمال الوطني والقطاع العام والمنظمات غير الحكومية لم تتحقق. الآن في مبادرة مدرسني تحققت هذه الشراكة ومن المهم جدا أن يتم تحقيق النجاح الذي سوف يشكل حالة ممتازة من إستنهاض الهمم الوطنية في ظل كل هذا الحديث حول الإستثمارات غير الإنتاجية وهجمة رأس المال الخارجي على الأصول الثقافية والتاريخية والطبيعية الأردنية.

هذه المبادرة تتضمن أيضا تطبيقا فريدا لمفهوم "رأس المال الاجتماعي" Social capital والذي اصبح مفهوما مركزيا في تنمية الدول المتقدمة في العالم ويمكن تلخيصه في تمكين الشبكات الاجتماعية من الأفراد والمؤسسات للمشاركة في مشروع موحد بغض النظر عن حجمه بحيث يتم إستثمار الموارد والخبرات الخاصة لكل المؤسسات والأفراد المشاركين بحيث تشكل المساهمات المعرفية والمالية المشتركة رأسمالا اجتماعيا أشد تأثيرا من الرأسمال الاقتصادي التقليدي في تعزيز الإنتاجية. سيكون من المثير جدا متابعة تقدم هذا المشروع لمعرفة العقبات والفرص التي تظهر اثناء التنفيذ وكيفية التعامل معها من قبل الشركاء المختلفين لانها بالفعل تجربة فريدة تتضمن كل الاحتمالات.

ولكن التحدي الأعظم أمام المبادرة، مثل كل المشاريع الخلاقة في أي مكان هو تحدي الإستدامة. بعد إنتهاء التمويل المخصص والنجاح في تحسين البنية التحتية والوسائط التعليمية وتدريب المعلمين فإن المسؤولية الأكبر لن تكون على عاتق الملكة رانيا أو القطاع الخاص بل وزارة التربية والتعليم وإدارات المدارس المختلفة في الإحتفاظ بمنظومة الدوافع والقيم التي حققت النجاح ولا نعود مرة أخرى إلى نقطة البداية ونكون بحاجة إلى مبادرة جديدة بعد 10 سنوات. 

وفي النهاية رسالة تقدير للملكة رانيا وللقطاع الخاص الريادي والمنظمات غير الحكومية ووزارة التربية وكافة المدارس المشاركة على مساهمتها في رفع الآمال والطموحات والتركيز على الطموحات التي نملكها جميعا في النهوض بهذا البلد ورأسماله الأساسي وهو الإنسان الأردني.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 23 ابريل, 2008 05:00 م , من قبل halataha

والله حلو!

أنا أول مرة أسمع عن هاد الموضوع، لأنه على رأيك من كتر الإحباطات بطلنا نشوف إلا الأشياء السلبية، وأكيد الواحد ما بلوم العالم على هاي النظرة لأنه الله يعينهم.

بس فعلا المبادرة رائعة وتستحق التشجيع لأنه مدراسنا محتاجة لكتير تغييرات وتحسينات وفي تفاوت رهيب بين المدارس الخاصة وبعض المدارس الحكومية اللي بعضها غير صالح للحياة!


اضيف في 26 ابريل, 2008 06:30 م , من قبل sumaya1888
من الأردن

تحياتي :
طبعاً هذه المبادرة من جلالة الملكة رانية كانت رائعة،فأنا إحدى المعلمات التي تعمل في إحدى المدارس المتواضعة والتي تحتاج إلى صيانة ولقد قمنا بتصوير المبنى من الداخل والخارج وإرسال الصور إلى مديرية التربية والتعليم وإن شاء الله تكون هذه المبادرة بادرة خير وان نرى ذلك على أرض الواقع حتى ننعم وينعم طلابنا بجو مدرسي مريح .




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني