بغض النظر عن التفاصيل الإجرائية والجدوى الاقتصادية وتقدير قيم الأرض فإن الضرر قد حدث فعلا في تراجع الثقة الشعبية بالقرارات الاقتصادية. نعرف جميعا بأن ما نكتبه في الصحافة اليومية اقل بكثير مما هو مطروح في حوارات الناس، وأن القناعة التامة لغالبية المواطنين سواء كانت منطقية أو مبنية على نظريات مؤامرة بوجود صفقات فساد وعمولات في إفتراض سوء النية مقابل الإهمال في إفتراض حسن النية زرع حالة مؤسفة من الشك في مصداقية السياسات الاقتصادية. تجارب الدول المختلفة في التحول من الإقتصاد المركزي الريعي إلى الاقتصاد الحر إختلفت في جزئيات كثيرة، ولكن العامل المشترك بين الدول التي نجحت في إدارة هذه العملية هو عامل الشفافية وتوضيح خفايا الأمور وفتح المجال أمام الرأي العام للمشاركة في حوار وطني حول السياسات الاقتصادية الاساسية التي قادت التحول نحو التخاصية واقتصاد السوق وضمان حدوث تطور تنموي على الخدمات العامة وليس تخصيص الأرباح لفئة قليلة من المتنفذين والمستثمرين. في الأردن لم يحدث ذلك وبالرغم من المشاركة الشعبية في صياغة وثائق التخطيط الحكومي مثل كلنا الأردن فإن القرارات الكبرى التي تترجم بالمليارات يتم إتخاذها بطريقة بعيدة تماما عن الشفافية. لدينا خمسة أمثلة على صفقات وقرارات إقتصادية تعاني من نسب كبيرة من العيوب الإدارية والثغرات القانونية وشبهات الفساد الواضحة وأود ذكرها مع التأكيد على عدم توفر الخبرة الكافية للحكم عليها ونترك ذلك للتاريخ والتقييم العلمي الصحيح. الصفقة الأقل إحتواء على الشبهات هي بيع أرض الميناء الحالي في العقبة لشركة المعبر الإماراتية حيث تم البيع لشركة معروفة في السوق الإقليمي والعالمي وبمبلغ مقبول نسبيا وهو 5 مليار منها 500 مليون نقدا مقدما سد جزءا من ديون نادي باريس. هذه الجزئية بالذات كانت هي البعيدة عن الشفافية حيث لم يتم الكشف عن مساهمة هذه الأموال في سداد الدين إلا بعد إتمام الصفقة بينما يعتقد بعض الاقتصاديين أن هناك تسرعا تم في البيع بسعر أقل من السعر الحقيقي. ولكن في محصلة الأمر سيتم نقل الميناء إلى الشاطئ الجنوبي مغلقا المنفذ الوحيد المتاح للمواطنين العاديين على شاطئ العقبة بينما ستكون منطقة الميناء الحالي مخصصة ايضا لسياحة الأثرياء الأردنيين والعرب ولا مكان للمواطن الأردني. نبقى في العقبة حيث ساهمت صحوة الإدعاء العام الفلسطيني في إيقاف محاولة محمد رشيد مستشار الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات في إستثمار 600 مليون دولار في مشروع سياحي في العقبة تحت غسم شركة "جود فند" وهي شركة مسجلة في جزر الكيمان حيث يعرف الجميع أن معظم الشركات التي تؤسس هناك تهدف إلى تفادي الضرائب وأحيانا غسيل الأموال. الإدعاء العام الفلسطيني يحقق حاليا مع محمد رشيد ولكن من المتوقع المضي قدما في المشروع في حال كان رشيد بارعا في توثيق إستثماره من خلال الشركة، أما رد فعل سلطة المنطقة الاقتصادية في العقبة فكان تصريحا لرئيس السلطة أتمنى صادقا ألا يكون صحيحا وهو "أن السلطة لا تدقق في خلفية المستثمرين والمال الذي بحوزتهم لأن هذا ليس شأنها" وإذا كان هذا الموقف صحيحا فمرحبا بمشاريع غسيل الأموال في العقبة! المشروع الثالث كان كازينو البحر الميت، وبعيدا عن التبريرات العقائدية والتي لا تلعب دورا في القرارات الاقتصادية ولا حتى في حقيقة ممارسة مفهوم القمار في الأردن عن طريق اليانصيب وجوائز حسابات البنوك وربما البورصة ايضا فإن إبرام اية إتفاقية تتضمن بندا يحمل الحكومة غرامة مليار دينار في حال التراجع عن المشروع يعتبر خطيئة إدارية من الدرجة الأولى حتى لو كان المشروع هو إنشاء مفاعل نووي يمد الأردن بالطاقة وليس كازينو للقمار وغسل الأموال كما كان حال كازينو أريحا المغلق والمسمى "الواحات" وهي نفس إسم الشركة التي وقعت إتفاقية الكازينو في البحر الميت ولكن لا نجزم وجود علاقة مباشرة بينهما! نتيجة هذه الخطيئة الإدارية كانت التخلي عن آلاف الدونمات في البحر الميت وشفا بدران للمستثمر والذي يبدو أنه خرج راضيا من المعادلة. صفقة إنشاء مجمع الخدمات الحكومية في عبدون بإستثمار لبناني هي أوضح مثال على ضياع المال والموارد. تكلفة هذا المجمع سوف تبلغ 1,4 مليار دينار لأغراض التشييد والتشطيبات والتي سيكون المقاولون من أشد السعداء بها، ولكنها سوف تشكل ضغطا وإستنزافا للبنية التحتية والمساحات التي يجب تخصيصها لمواقف السيارات وأزمة السير ناهيك عن نقل وشراء المكاتب والأثاث والذي طبعا سوف يتطلب تغيير هذه المكاتب بسبب التجديد ولا ننسى أيضا تكلفة صيانة المباني والمكاتب والتدفئة والمياه وكل ذلك يمثل إستنزافا لا داعي له من الناحية المالية. لا ننسى هنا تحول الموارد المالية للحكومة من دفع كلفة الإيجار للمالكين الأردنيين في المواقع الحالية إلى المستثمر اللبناني ناهيك عن الخطورة الأمنية في جمع كل الدوائر الحكومية في مكان واحد. المثال الأخير حاليا، ولا يبدو أنه سيكون الأخير في سلسلة صفقات ربيع 2008 في الأردن هو التوجه لبيع المدينة الطبية والأراضي المحاذية لها إلى مستثمر إماراتي مقابل تفكيك المدينة الطبية وتحويل بنيتها التحتية إلى مكاتب. من الصعب أن نتجاوز البعد العاطفي للمدينة الطبية والتي تعتبر إنجازا وصرحا أردنيا يمثل سنوات العطاء والبذل والعمل قبل سنوات البيع والتفكيك والحفاظ على هذا الرمز اثمن بكثير من قيمة الأرض، وهذا المثال هو الحد الفاصل لعقيدة البيع فإذا تم بيع المدينة الطبية فلنكن واثقين بأن ملصق "للبيع" سيكون جاهزا على عشرات المؤسسات والأصول التنموية والتاريخية في الأردن كل مشكلتها أنها "تجلس على أرض لها قيمة مالية عالية". فلنضع الكوابح منذ الآن قبل فوات الأوان من أجل حماية أصول البلد والأهم من ذلك الثقة بين المواطن والحكومة لأنها اساس الأمن والإستقرار السياسي في الأردن، والخطوة الأولى في تحقيق ذلك هي التأكد من وجود حوار وطني بين كافة القوى السياسية والخبرات الاقتصادية حول أفضل الخيارات في إدارة الاقتصاد الأردني. 
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
Yasser abu Hilalah has quoted you in his Sunday April 20th article in alghad.
Just a quick remark on both articles...Who is selling the country's assets? Is Omar Maani awarding the land to Najib Miqatai by the virtue of their own personal friendship ...!
It is amazing how even when someone like Fahed Fanek writes an article defending the regime's privatization policies feels the need to explain that when he says "authorities" he actually means "government" who as we all know have an expiration
period of less than two years
I am sorry I keep bringing up the same issue over and over again, but as I told you before, if we don't acknowledge the problem - at least in our own heads - then all lour blabber is absolutely absurd and serves no purpose
هذا المقال تافه جدا، وليس له معنى، ولا يستحق الوقوف عنده، ولا ولا ولا... هذا رأي المسؤولين، ومن نصبوا أنفسهم أوصياء على أراضي الأردن لبيعها للمجهولين ومصاصي الدماء.
أما وجهة نظري فإني أرى أن يعاد نشر هذا المقال على عدة مواقع لإيصال محتواه ورسالته إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين ليقف كل مواطن في وجه باعة أراضي الدولة، فهي ليست ملكا لهم ولم يرثوها عن آبائهم ولا أجدادهم، هي أرض الوطن الذي لا تقدر ذراته بثمن، ولا يجوز التنازل عليه لا بالبيع ولا بالعطايا ولا بأي شكل من الأشكال.
أشد على يدك أخي الكاتب، فنحن بحاجة ماسة لنتعاضد سوية ونحمي حمى الأردن مهما كانت مسوغات الباعة لماعة... وقد سبقهم في ذلك آخرون في الدول العربية مثل مصر حيث أن الدور الآن على بيع المواطن المصري بعد أن بيع كل شيء هناك.
وفقك الله ونحن معك.
خالد - الأردن
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من لإمارات العربية المتحدة
مما يؤسف له عدم نشر مثل هذا المقال في الصحافة الأردنية، فالمقال يطرح تساؤلات ومخاوف تتبادر لذهن أي مواطن أو كاتب موضوعي. فأزمة الشفافية وعدم الثقة في كثير من الأمور بدءا من آليات تعيين صغار وكبار الموظفين في القطاعات المختلفة، وصولا للصفقات، تفتح الباب أيضا لكثير من المبالغة لدى الكثير من الناس، في تخل الكثير من حالات الفساد، ويبدو غريبا أنّ لا يصدر بيانات رسمية توضح بالتفاصيل كل ما حدث ويحدث.