مرت بهدوء الجلسة النيابية المخصصة لمناقشة إمكانية وجود النفط بكميات تجارية في الأردن، بالرغم من الصخب التشويقي الكبير الذي رافق التحضير لإنعقادها. الإشاعات التي صدرت حول محاولة تسريب النصاب القانوني كانت تعطي إنطباعا وكأن الحكومة تخشى من مناقشة الملف أمام نواب مهيئين بالمعلومة العلمية والتحقيقات الإستقصائية، ولكن ما حدث أن الحكومة "حضرت درسها" أفضل من النواب وقدم وزير الطاقة عرضا بالمعلومات والأرقام الرسمية بينما لم يتمكن النواب من تقديم معلومات مضادة بل ظهر في نقاشاتهم نوع من التدخل في الخلاف الإستثماري بين شركتي ترانس جلوبال وبوروسيتي على حقوق التنقيب في جنوب البحر الميت. موضوع النفط موضوع علمي في الأساس ويحتاج إلى معلومات جيولوجية واقتصادية أكثر من نظريات المؤامرة المعهودة. ما طرح الموضوع على بساط البحث كان "ظهور" منتجات نفطية من بئر السرحان 4 وقيام بعض المواطنين بتعبئة سياراتهم بهذا النفط. وبالنسبة للبعض من النواب والسياسيين والإعلاميين فإن عملية "تعبئة السيارات بالنفط" كانت دليلا كافيا على وجود نفط بكميات تجارية وقيام الحكومة بالتستر عليها طبقا لنظريات المؤامرة. ما قامت به صحيفة الدستور من عمل مهني وإستقصائي في زيارة بئر النفط ونقل الصورة الحقيقية التي تشير إلى وجود تسرب للمواد النفطية ولكن ليس بكميات تجارية كان عملا علميا أفضل من كل ما تم في مجلس النواب وتصريحات أخرى ربما باستثناء مجموعة مقالات بذلت فيها الزميلة رلى الفرا جهدا ممتازا في صحيفة الأنباط. وكانت النتيجة في نهاية الأمر أن المعلومات الموثقة التي قدمتها وزارة الطاقة في جلسة البرلمان أكثر تأثيرا من كل النظريات المضادة. ولكن نظرة سريعة على تعليقات المواطنين في كافة الصحف والمواقع الإلكترونية التي تحدثت عن موضوع النفط تشير إلى وجود أزمة ثقة في مصداقية المعلومات وأن الغالبية العظمى من المواطنين تعتقد أن الحكومة تخفي حقيقة وجود النفط في الأردن لإعتبارات سياسية أو اقتصادية أو لأن الولايات المتحدة ترفض الكشف عن النفط الآن. بينما يأمل معظم الأردنيين تقريبا بظهور النفط التجاري لتحسين الأوضاع الاقتصادية. هناك تدفق للتصريحات التي تؤكد وجود النفط بكميات تجارية في الأردن أكثر من تدفق النفط نفسه، وخاصة من قبل بعض النواب والأحزاب وخبراء جيولوجيين لهم كل الاحترام والتقدير ولكن الآن والقضية تأخذ أبعادا سياسية حرجة، وخاصة على مستوى الثقة الشعبية بالتصريحات الرسمية والتي لا تستطيع حتى أن تثق بالنشرة الجوية الصادرة عن دائرة الأرصاد العامة فكيف تثق بتصريحات حكومية تنفي وجود الحلم الجميل بالنفط الذي سيحقق نقلة نوعية للاقتصاد الأردني خاصة عندما تترافق حالة عدم الثقة مع الإعتقاد بأن هناك تعمد لإخفاء وجود النفط في الأردن نتيجة ضغوط سياسية خارجية. رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب أعلن بصراحة رأيه في جلسة المناقشة قائلا " سبحان الله النفط موجود بالعراق والسعودية وسوريا ومش موجود عنا؛ يعني سايكس بيكو لما قسمتها اختارت الأردن بدون نفط..هنالك مؤامرة على هذا البلد وإن الغرب يريدون إفقارنا ". وعندما يكون هذا هو موقف رئيس اللجنة الأكثر إرتباطا بالأرقام والمعلومات والتحليل الإحصائي والعلمي فلا نلوم أحدا من المواطنين على تشكيكه المستمر بالتصريحات الرسمية. يحتاج المواطنون إلى المعلومة الصحيحة الموثقة لبناء رأي ما. قبل سنة أعلن رئيس شركة ترانس جلوبال عن إكتشاف نفط بكميات تجارية في منطقة التنقيب الخاصة بالشركة في البحر الميت، ثم إكتشفنا أن هذا الإعلان تم على خلفية منافسة مع شركة بوروسيتي على حقوق التنقيب وبدا وكأن الإعلان جاء أداة لترانس جلوبال لتقوية أوراقها التفاوضية خاصة أن الشركة لم تقدم أبدا معلومات موثقة وكافية حول وجود النفط الذي إدعت إكتشافه بكميات تجارية بالرغم من أنها تعمل في المنطقة منذ العام 1997 بالإضافة إلى ذلك فإن شركات النفط العالمية لا تؤمن بنظريات المؤامرة، ولو كان في الأردن نفط بكميات تجارية لما وجدنا ترانس جلوبال ولا بوروسيتي في حلبة المنافسة بل شاهدنا ديك تشيني وشركاته تقفز للحصول على حقوق التنقيب في الأردن وبطريقة شرسة لا ترحم ولوجدنا كبار السياسيين والمتنفذين يقومون بإنشاء شركات الطاقة والنفط للحصول على حقوق التنقيب في الأردن بناء على المعلومات المتوفرة لديهم ويعملون وسطاء لشركات النفط العالمية. عنصر واحد هو الذي سيحدد مسار هذا الجدل الوطني وهي المصداقية والشفافية في المعلومات، ولكن المشكلة كما اسلفنا أن هناك ضررا حدث في قطاعات وتصريحات أخرى وإستعادة ثقة المواطنين بالتصريحات الحكومية يتطلب جهدا كبيرا في دقة إختيار التصريحات وضرورة الإعتماد على المعلومات العلمية الصحيحة. إذا كانت لدى الأردن موارد نفطية طبيعية بإمكانها على الأقل أن تغطي 5% من احتياجات الطاقة في الأردن وتتمتع بجدوى اقتصادية للإستخراج والإستخدام في السوق المحلي فإن من حق الأردن إستثمار هذه الموارد بطريقة شفافة ونزيهة وواضحة لا تتضمن صراعا على النفوذ بين الشركات ولا خطابات سياسية ولا نظريات مؤامرة ولا تصفية حسابات. ما هو مطلوب من الحكومة بيانات واضحة وخرائط وأرقام وإحصائيات توضح أحدث ما توصلت إليه نتائج الشركات المختلفة الحائزة على رخص الإستكشاف وجعل هذه المسألة شفافة حتى لا يصبح موضوع النفط رهنا لصراع بين الشركات على حقوق الإستكشاف أو أن تصبح هذه الشائعات والتصريحات حول النفط وخاصة ما شهدناه في جلسة مجلس النواب أداة للشركة التي رفعت دعوى على الحكومة بقيمة 700 مليون دينار. لا يستطيع أحد أن يجزم لكن من المتوقع أن تكون الأرض الأردنية قادرة على إنتاج كميات معينة من النفط قد تخدم نسبة من الإحتياجات المحلية وما نحتاج إليه هو الوضوح وعدم الإنغماس في المبالغة أو الإنكار لأن هذه المسألة لن يحسمها إلا العلم والبيانات الواضحة وإعطاء المزيد من الوقت للتقييم الدقيق للموارد النفطية في الأردن.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

الأخ كركي، شكرا على التعليق ولكن للأسف لم افهم ما الذي تقصده بالضبط. هل تقول بأنني في هذا المقال أتفلسف على أحد؟ فكرة المقال الأساسية هي أننا نحتاج إلى براهين علمية وليس نظريات مؤامرة حول النفط في الأردن. إذا كنت تعتقد أن هذه فلسلفة فليكن، لأننا بالتأكيد نحتاج إلى الفلسفة أكثر من اتهام الآخرين وطرح الشائعات.
من الأردن

الصديق باتر
معلش ما كل واحد فينا مش بس خبير في السياسة وكمان في كل الشؤون العلمية...
يمكن امنيات الناس بوجود نفط في البلد بتتغلب على الوقائع العملية على الارض...
مش معوقل انه كل الناس متأمرين على البلد بما في ذلك 90 حكومة شهدتها البلاد منذ التاسيس حتى يخبوا النفط.
بعدين كويس انه رئيس اللجنة ما غيرها في مجلس النواب اتهم سايكس بيكو منيح من الرجل انه ما اتهم "الذات الالهية" استغفر الله بالتامر على البلد...
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















كل واحد يريد ان يتفلسف ويضع نفسه فوق الجميع يقوم بتهمة الآخرين بنظرية المؤامرات. يا أخي غير الإسطوانه. والله انك مش أفهم ولا تشطر ولا عقلاني أكثر ولا موضوعي عندما ترمي كل من يطرح تساؤل بانه مروج للمؤامرة. صارت موضة مزعجة. كل فيلسوف زمانه على هامش العبة يشكك في الرأي الأخر ويرمي تهمة نظرية المؤامرة. صحيح انكم لاتحترموا الرأي الآخر ولكن شاطرين تعيطوا عندما ينتقدكم الناس. نحن بحاجة لأخلاقيات الحوار. مش معقول كا ما خالفكم واحد بالرأي نرد بالشتائم والتسخيف. استحوا يا جماعة.