لا يختلف إثنان على ضرورة دعم الثقافة في الأردن من خلال توفير الموارد المالية لصندوق دعم الثقافة، ولكن إتخاذ قرار تشوبه الكثير من مظاهر العشوائية بتخصيص 5% من الإعلانات المنشورة في وسائل الإعلام لا يبدو الحل الأكثر حكمة. من حيث المبدأ فإنه لا مانع من تخصيص حصة من عائدات قطاع الإعلانات في الأردن والذي تبلغ قيمته 250 مليون دولار في العام 2007 لأن هذا القطاع يشهد نموا كبيرا جدا في السوق الأردني ومن الممكن أن يكون قادرا على "دعم" الثقافة ولكن بالتأكيد ليس بنسبة 5% حيث يمكن النقاش حول نسبة 0.5% أو 1% وهي ستكون ايضا كافية لصندوق الثقافة. المشكلة في تخصيص النسبة هذه أن من سيدفع الثمن في نهاية الأمر ليس شركات الإعلان بل وسائل الإعلام نفسها. الطريقة المثلى هي في تقديم حوافز للشركات والبنوك والمعلنين الكبار لإستثمار نسبة من عوائدهم في دعم الثقافة بالعديد من الأفكار الجديدة. يمكن قيام شراكة ما بين الشركات الكبرى التي تخصص أموالا طائلة للإعلانات وما بين وزارة الثقافة في دعم طباعة وتسويق كتب بأسعار رمزية لأستكمال مشروع مكتبة الأسرة الأردنية والذي حقق نجاحا كبيرا في إنطلاقته الأولى قبل أشهر ونفذت كل النسخ المعروضة للبيع وهذا ما أثبت أن القارئ الأردني خاصة الأطفال والشباب يهتمون بالقراءة في حال كانت الكتب تباع بأسعار في متناول قدراتهم المادية. وبنفس المنطق يمكن للشركات والبنوك تقديم دعم لعروض فنية مثل المسرحيات وأنتاج الإفلام القصيرة وغيرها من الفنون مقابل دعاية موجودة مع المنتج الفني. وفي حال إجبار الإعلام والشركات الإعلانية والمواطن الأردني على المساهمة في دعم صندوق الثقافة فمن الجوهري أن تكون هناك أسس واضحة لكيفية إنفاق هذا الدعم. من المهم العمل على إنفاق هذا المبلغ على الأنشطة الثقافية التي تحقق معايير الإبداع وأن تعتمد على أسس الإختيار الموضوعة سلفا. هذا يتطلب أن يكون هناك مجلس أمناء لصندوق الثقافة من مبدعين وإداريين مشهود لهم بالقدرة على تمييز نوعيات الإبداع في مختلف ميادين الفن والثقافة وليس مجرد موظفين ميزتهم الوحيدة أنهم يمثلون رأي السلطة التنفيذية. والأهم من ذلك الشفافية التامة في إختيار الأعمال التي تستحق الدعم وفق أسس واضحة تعتمد على المنتج الإبداعي لا على العلاقات الشخصية أو الهوية العامة للمنتج. ليس من المقبول أن يتم فرض ضرائب ورسوم إجبارية لدعم منتجات ثقافية هزيلة لمجموعة منتقاة من المثقفين ممن أهم أقدر على تقديم "إبداع" يرضي السلطة التنفيذية ونمطها الثقافي. في الآونة الأخيرة بدأ ينتشر في الأردن توجه مدعوم رسميا لتشجيع نمط محدد من مكونات الثقافة الأردنية ليصبح نمطا "يشكل هوية" الثقافة الوطنية وكل من يبتعد عنه يعتبر غير منتم. هذا التوجه المكارثي الخطر لا يكتفي فقط بفرض وصاية ثقافية على تفكير الناس بل يهدد معظم المبدعين بالخروج من "جنة الثقافة الوطنية". حتى الآن لم يتم في الأردن تعريف مفهوم "الثقافة الوطنية" ولكن أصبح هناك نوع من التصور الدارج على أن الثقافة الوطنية تعكس رموز التراث والتقاليد والعلاقات الاجتماعية الميزة للمجتمع الريفي لا المدني، على إعتبار أن الماضي هو الأصالة وأن المعاصرة تمثل حداثة ذات هوية "غربية" وأحيانا غير متسقة مع الهوية الوطنية. هذا التصور هو أحد أهم اسباب ضعف المنتج الثقافي الأردني وعدم ملائمته للتسويق لا في داخل الأردن ولا خارجه. دعونا نكون واضحين وصريحين، الدولة الأردنية قد تكون تشبه "دلة القهوة" في شكلها الجغرافي ولكنها دولة حديثة ومدنية تجاوزت بسنوات طويلة مفاهيم التراث والفلكلور في تعريف هوية الثقافة الوطنية واي إبداع ثقافي يستحق الدعم يجب أن يشكل كافة عناصر الثقافة الأردنية وليس فقط عنصرا واحدا.
الاثنين, 31 مارس, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 31 مارس, 2008 11:18 م , من قبل batir
من الأردن
من الأردن

العزيز محمد
لا أعتقد أنني قد عبرت أفضل منك على الإطلاق حول الموضوع بل أن طريقتك مباشرة وواضحة أكثر وتصل للقراء بشكل أسهل. أما النواب فهم أكثر فوضى من طلاب الصف الأول الإبتدائي حتى في أكتمال النصاب القانوني فكيف تريد منهم تفكيرا عقلانيا ومنهجيا؟
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من الأردن
سلامات يا صديقي
يبدو اننا يا صديقي باتر على توارد في الافكار...
وان كان مقالك هذا عبر عما كان مفترض ان اقوله افضل مليون مرة مني...
على كل، اعتقد ان قرار النواب قرار غير مدروس وارتجالي، اتخذ بناء على اقتراح من نائب وبدون تدقيق.
شكرا لك على هذا المقال الجميل فعلا.
محمد عمر