مشاريع البناء والتشييد الهائلة في الأردن خلقت سوقا إقتصاديا فريدا في السنوات الماضية حقق مكاسب هائلة لفئات أصحاب الأراضي والعقارات والمقاولين. بعض هذه المشاريع جاءت على شكل إستثمارات خارجية وخاصة الخليجية منها والتي تركزت على بناء أبراج ومجمعات تجارية-سياحية في عمان الغربية وبعض المواقع السياحية المتميزة. هذه المشاريع الإستثمارية من الصعب النقاش فيها لأنها في النهاية تخضع لمصالح المستثمر الذي يريد عائدا سريعا جدا لإستثماره ومع توفر مواد البناء والعمالة الرخيصة والماهرة والمستوردة في الأردن ومع القدرة على تجاوز الكثير من العوائق الإدارية بحجة تشجيع الإستثمار يمكن الإنطلاق في مشاريع عقارية هائلة. ولكن المشكلة تصبح عندما تتوجه الحكومة أو المؤسسات العامة إلى هذا السباق لبناء مجمعات ومشاريع عقارية جديدة يمكن ببساطة مناقشتها من منظور تحليل الكلفة الوطنية والخروج بإستنتاج إضاعة الكثير من الأموال التي يمكن إستثمارها في مشاريع أخرى مجدية في سبيل التنمية والمصلحة المباشرة للمواطنين. من الأمثلة على مشاريع إستنزفت الكثير من الأموال مشاريع تشييد بعض الجسور المكلفة والتي لم تحل من أزمة السير وتبين أنها تتضمن مخالفات فنية ولكن المستفيد الوحيد من هذه المشاريع كان المقاولون أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي والذين حصلوا على عطاءات تنفيذ المشاريع وبمبالغ هائلة بينما كانت إستفادة المواطنين محدودة لو وجدت أصلا. وفي المقابل هناك بعض المشاريع الإنشائية المهمة التي يجب المضي قدما بها حتى لو كانت تستخدم أموالا عامة بنسب معينة، وهي مشاريع سحب مياه حوض الديسي وتوسعة مطار الملكة علياء وبناء سكة الحديد الخفيفة بين عمان والزرقاء، فكل هذه المشاريع تحقق فائدة مباشرة للمواطن وتعبئ فراغا قائما في نوعية الخدمات وفي تحسين ظروف الحياة ودعم التنمية. ولكن لدينا مثالين على مشروعين يمكن لهما أن يستنزفا موارد مالية هائلة ويخلقا الكثير من المشاكل ولا بد من مناقشة مدى الإستفادة من هذه المشاريع التي تستخدم أموالا عامة إضافة إلى أموال من القطاع الخاص الذي سيشترك في هذه المشاريع على قاعدة البناء والتشغيل. المشروع الأول هو نقل الميناء في العقبة إلى الشاطئ الجنوبي بتكلفة 3 مليارات دولار والآخر هو ما أعلن عنه أمين عمان حول إقامة مجمع للخدمات الحكومية في وادي عبدون بقيمة 1,5 مليار دينار. النقل المزمع لميناء العقبة بتكلفة 3 مليارات دولار من موقعه الحالي إلى الشاطئ الجنوبي يشكل حالة تغيير جذري على إستعمالات الأراضي غير مسبوقة في الأردن وربما في معظم دول العالم. حاليا تتوزع نشاطات الميناء المختلفة على ثلاث مواقع وتقترح الخطة الشمولية الجديدة للعقبة دمج هذه النشاطات الثلاث في موقع واحد في الشاطئ الجنوبي. وعلى كل حال فلا توجد جائزة لمعرفة كيف سيتم إستثمار الأرض التي تحتلها مناطق الميناء حاليا لأن الجواب الوحيد هو أن هذه المناطق سوف تستضيف المزيد من المشاريع السياحية التي تستهدف النخبة الاقتصادية ورجال الأعمال بعد أن يتم ايضا إخلاء منطقة الشلالة من السكان ضمن نظام تطوير، وإفساح المجال أمام كبار المستثمرين السياحيين والعقاريين لإستغلال أجمل منطقة مطلة على البحر من ساحل العقبة لأغراض سياحية. من المتوقع أن عملية النقل هذه سوف تنتج الكثير من معالم التدهور خاصة تفكيك الميناء وفي نشاطات التجريف وتدمير الحيود المرجانية في الشاطئ الجنوبي الذي سيضم الميناء الجديد. لن تكون الآثار مقتصرة فقط على المنطقة الساحلية حيث ستكون حالات تلوث الهواء الناجمة عن أعمال الحفر والإنشاءات والنقل مؤثرة بشكل كبير على كل المدينة وسكانها. المشروع سوف يخصص ما قيمته 50 مليون دينار لمواجهة التأثيرات البيئية ولكن من غير المتوقع أن يتمكن هذا المبلغ من تعويض الخسائر الكبيرة من تدمير المرجان في الشاطئ الجنوبي وفي تكثيف الضغط الهائل على هذا الشاطئ ما بين الأنشطة الصناعية والنقل. أما مشروع مجمع الخدمات الحكومية فهو ما يمكن أن نسميه مشروعا جاء من الفراغ، ولا أذكر دراسة أو بحثا أو قرارا وجد مشكلة في جغرافية المعاملات الحكومية الحالية يمكن حله بإنشاء مجمع جديد. تكلفة هذا المجمع سوف تبلغ 1,4 مليار دينار لأغراض التشييد والتشطيبات والتي سيكون المقاولون من أشد السعداء بها، ولكنها سوف تشكل ضغطا وإستنزافا للبنية التحتية والمساحات التي يجب تخصيصها لمواقف السيارات وأزمة السير ناهيك عن نقل المكاتب والأثاث والذي طبعا سوف يتطلب تغيير هذه المكاتب بسبب التجديد ولا ننسى أيضا تكلفة صيانة المباني والمكاتب والتدفئة والمياه وكل ذلك يمثل إستنزافا لا داعي له من الناحية المالية. من دواعي الإنصاف الإشارة إلى أن أمين عمان م. عمر المعاني يستخدم العلم والتخطيط الهندسي في عمله ولكن مثل هذا المشروع يحتاج إلى الكثير من المبررات الهندسية والعمرانية ودراسة شاملة لمقارنة مدى الإستفادة العامة منه قبل أن تبدأ الجرافات عملها وقبل أن يتم إستغلال الأموال العامة مع شراكة المستثمر الإستراتيجي. إنه ببساطة مشروع خرج من العدم Out of the Blue ومن الصعب الإقتناع به بدون دراسات تقييم منهجية. في الوقت الذي يواجه فيه الأردن تحديات طاحنة لتوفير الموارد المالية لمشاريع تحسين خدمات التعليم والصحة والطاقة والمياه والنقل العام وتقوية الزراعة وحماية البيئة فإن رصد أموال وجهود هائلة لمشاريع عقارية يبدو توجها بعكس الإحتياجات الحقيقية للتنمية ومن المهم التفكير بواقعية في مثل هذه المشاريع قبل هدر المال عليها.
الجمعة, 22 فبراير, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من الأردن
لا لزوم لدراسات الجدوى الاقتصادية والمالية للمشروعين
غدونا نعرف كيف يتم اتخاذ القرار في هكذا مشاريع وبالتالي هذه الدراسات هي أيضا زيادة في النفقات واعدار للمال العام!!! طبعا هذا ينطبق علينا فقط
من وجهة نظر اخرى: هذا الشغل شغلهم وبالتأكيد هم أفهم وأخبر وأعلم وأكثر قدرة على تقييمه أكثر منا ولا لزوم لأن نحاول تعطيل هذه المشاريع الحضارية والتنموية المتطورة ... ما تقوم به ما هو الا تضييع للوقت الغالي لمسؤلينا وبالتالي هذا شيء سلبي (كتعليقي هذا) .. طبعا هذا ايضا ينطبق علينا وحدنا في الأردن