مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

أين أوباما العربي؟

كنت أريد أن أكتب عن فوز باراك أوباما بسباق الرئاسة الأميركية المثير قبل ايام وذلك في عز الحماس الذي رافق الفوز ولكن الوقت لم يسعفني. وفي واقع الأمر فإنني كنت من الملايين في العالم الذين شعروا بسعادة غامرة بسبب هذا الفوز، ولا أنكر أن لحظات النصر وخطاب الفوز كانت أحداثا تاريخية ذات دلالات عالمية غير مسبوقة منذ إنهيار سور برلين عام 1989.

إستعدت شهيتي للكتابة في الموضوع اليوم، بعد قراءتي لفضيحة أخرى من فضائح خطابات عصابة القاعدة ومنظرها ايمن الظواهري الذي اساء مرة أخرى للإسلام بوصفه أوباما بأنه "عبد" علما بأن الإسلام النقي الحقيقي قد أنهى الرق وأعطى الناس حرياتهم التي خلقهم الله تعالى من أجلها، ولكن إسلام القاعدة لا يزال مستمرا في تشويه سمعة هذا الدين العظيم بدون الحاجة لا للصهيونية ولا للإمبريالية لتنفيذ هذه المهمة.

مصدر سعادتي الشخصية والفكرية بفوز أوباما لا يرتبط ابدا بالأوضاع في الشرق الأوسط والعالم العربي. لا توجد لدي أوهام في ذلك. أوباما شأنه شأن اي رئيس أميركي سوف يهتم بمصالح بلاده وسيكون أول توجهاته إعادة النسبة الأكبر من الجنود الأميركيين إلى بلادهم وعائلاتهم واستمرار احتلال العراق من خلال الاتفاقية الأمنية، وعدم الإكتراث بقتل السنة للشيعة والعكس. أوباما سيحرص ايضا على أمن إسرائيل ولكن بطريقة أقل استفزازا من إدارة بوش وهو لن يكون معنيا بالحوار مع الفلسطينيين قبل أن يقرروا هم أنفسهم أن يتحاوروا مع بعضهم البعض ويتخذوا موقفا موحدا من مشروع الدولة الفلسطينية.

مصدر سعادتي يتعلق بقيم مهمة باتت أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع قبل فوز أوباما. قيم مثل "الكرامة" والمساواة الإنسانية والتي فقدت الكثير من معانيها في ظل دول ومجتمعات تنقسم على نفسها وتنتهك حقوق الإنسان الأساسية وتقضي على كرامته بناء على اللون والدين والعرق والمولد والعائلة. باراك أوباما يمثل حالة من الوعي التاريخي الذي وصل إليه المجتمع الأميركي بالرغم من كل الانتقادات الموجهة له، فهذا المجتمع قفز فوق الحواجز العرقية والدينية والسياسية لينتخب رئيسا من أصول إفريقية (وليس رئيسا اسود كما تكرر وسائل الإعلام العربية والكتاب الذين ينشرون مفاهيم العنصرية من حيث لا يدرون). شخصيا لم أكن أتوقع فوز أوباما، وبسبب إيماني الأعمى وأحيانا الأحمق بنظرية المؤامرة السخيفة التي يطلقها الإسلاميون والقوميون واليساريون من مؤيدي القاعدة واليساريون من مناهضي الوجود الفلسطيني في الأردن وسائقي التاكسي فإنني وصلت إلى قناعة بأن الشعب الأميركي ونظامه السياسي لن يسمحا بفوز اوباما وأن ماكين ورفيقة دربه سارة بالين سوف يفوزان بالرئاسة الأميركية ويواصلان برنامج المحافظين الجدد.

مشكلة البعض من كبار المحللين لدينا ومن وزن محمد حسنين هيكل مثلا أنهم ينظرون إلى الدنيا وكأن العالم العربي هو مركز الكون، وينسون أن في الدول والمجتمعات الأخرى قضايا ومشاكل اقتصادية وسياسية وعرقية وإنسانية تحكم مسار اتخاذ القرار الإنتخابي، وأن الإنهيار المالي في الولايات المتحدة كشف مساوئ النظام الليبرالي الاقتصادي وحول أنظار الناخبين إلى خطاب أوباما المتمكن في طرح البدائل المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. وفي نهاية الأمر فإن الناخب هو الذي حسم الموقف، ونعذر المحللين الأردنيين والعرب لأن تلك الممارسة لا زالت أسطورة في العالم العربي. بل حتى أن أوروبا لا تزال مشدوهة من قدرة الناخب الأميركي على حسم الموقف بهذه الجرأة مقابل إزدياد النعرات القومية والعنصرية في أوروبا.

حملة أوباما وفوزه لم يكشفا فقط مساوئ نظام بوش البائس أمام الشعب الأميركي بل كشفا العورات الفكرية والسياسية في العالم العربي. نحن نشتم أميركا يوميا ولكنها الدولة الوحيدة التي أوصلت رئيسا من لون وعرق مختلف عن العرق السائد في البلاد، ونحن في دولنا لا زلنا نتعامل مع مواطنين ولد آبائهم في الدولة وساهموا في بنائها وكأنهم غير أردنيين وفي دول أخرى لا يتم حتى الاعتراف بجنسيتهم ومواطنتهم!

ربما هي لحظة مناسبة كي نخجل من أنفسنا قليلا، ونأمل بتغيير فكري واجتماعي في العالم العربي شبيه بالتغيير الذي حققه أوباما في الولايات المتحدة.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 نوفمبر, 2008 03:00 ص , من قبل Qwaider قويدر
من الولايات المتحدة

بالفعل آن الأوان ان نخجل قليلا, رائع يا استاذ باتر. كلام "عالوجع"


اضيف في 22 نوفمبر, 2008 08:29 ص , من قبل مالك
من الأردن

انت شخص مليئ بالتناقضات. مرة تطالب بوصاية الديكتاتورية بسبب عدم جهوزية العرب للديمقراطية ثم تطالب ب أوباما العرب وهي عملية لن تأتي الا عن طريق الديمقراطية.

الحقيقة ان للعرب اوباما منذ عقود. جمال عبدالناصر كان اول اوباما العرب. فهو إبن الريف المصري الذي أطاح بديكتاتور فاسد ودموي بجذور أوروبية يحميه الإستعمار الأنجلوصهيوني.


اضيف في 22 نوفمبر, 2008 05:27 م , من قبل batir
من الأردن

أخي مالك أرجو أن تنعش ذاكرتي قليلا وتخبرني متى كنت قد طالبت بوصاية الدكتاتورية لأن العرب غير جاهزين للديمقراطية. لا أذكر حقيقة أنني كتبت ذلك إلا إذا كنت مصابا بانفصام الشخصية أو أنك غير قادر على تفسير الكلام.
مثيرة للاهتمام المقارنة بين عبد الناصر وأوباما، والأكثر إثارة للاهتمام هي أنك تقحم الديمقراطية في مكان ليست لها علاقه به اي حكم عبد الناصر. بكل تأكيد أن عبد الناصر كان شحصا نظيفا وشجاعا ووطنيا ولكن في نهاية الأمر لم يكن ديمقراطيا ابدا واتخذ الكثير من القراراتى الفردية الخاطئة. الدور المهم للقادة الإستئنائيين هو توحيد المجتمعات وتنميتها والدكتاتورية ليست وسيلة ناجحة ابدا للتنمية.


اضيف في 03 ديسمبر, 2008 11:05 ص , من قبل ghassanghazawi
من الأردن

و الله كلام في الصميم يا استاذ باتر
اوباما قصة نجاح رائعة و الله يبعتلنا متله


اضيف في 06 يناير, 2009 11:36 ص , من قبل عبدالله العدوان
من الأردن

كلام سليم
اوباما متوفر يالنسخة الامريكية فقط
المشكلة ليست في عرق معين بل في ثقافة العرب بشكل عام.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني