مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

خمسة وسبعون يوما من العزلة

مضى 75 يوما بالتمام والكمال منذ أن توقفت عن الكتابة في صحيفة الدستور وفي وسائل الإعلام الأردنية والعربية. هذا القرار الذي اتخذته بناء على إحساس بضرورة الخلود إلى بعض الراحة، إضافة إلى رغبتي في تخصيص المزيد من الوقت والجهد لمهنتي الأساسية أكاديميا وهي التنمية والبيئة.

قرار ترك الكتابة كان صعبا جدا، وقد واجهت اعتراضات كثيرة من بعض الزملاء والأصدقاء وكان أهم تلك الاعتراضات أنني قد وصلت إلى مستوى "مهم" حسب تعبيرهم في الكتابة الصحافية اليومية فكيف أتخلى عن هذا الوضع الذي يتمنى الكثيرون أن يصلوا إليه. بالنسبة لي فإن الكتابة والصحافة كانت دائما رغبة لحوحة بدأت لدي منذ سنوات الدراسة وبذلت جهدا كبيرا في الوصول إلى "حالة" الكتابة اليومية ابتداء من العام 1999 حيث استطيع أن أدعي أنني نشرت في الكثير من الصحف اليومية والأسبوعية والعربية وواجهت الكثير من الإحباط وعدم القناعة بما أكتب من قبل اصحاب قرار النشر في هذه الصحف قبل أن يمنحني د. نبيل الشريف رئيس تحرير الدستور الثقة الغالية في العام 2000. التخلي عن هذا الوضع ليس سهلا بل كان مؤلما ولكنني كنت في قرارة نفسي بحاجة إلى بعض الراحة لأنني أحسست أن ما أكتبه اصبح مكررا والأهم من ذلك أنه غير مؤثر.

بالإضافة إلى هذا الشعور كان الوضع ببساطة مسموما في الوسط الصحافي في الاشهر الماضية. عشرات من الأسماء والنخبة الإعلامية تحولت، بل ربما ظهرت على طبيعتها في موقف إنقسام قبلي وإقليمي في قضايا الفساد الحقيقية والمدعاة التي اثارت الإعلام الأردني. ما شهدناه كان مؤسفا ومحبطا من نخبة يفترض أن تكون طليعة التنوير في مجتمعنا وإذا بها تقبل أن تلعب دور تبرير التعصب والإقليمية. سأتحدث عن هذا لاحقا لأن الحالة بالفعل تستحق التدقيق والدراسة.

السبب الرئيسي في توقفي عن الكتابة كان في إنتقالي إلى عمل جديد في مجال تخصصي الأكاديمي في منظمة دولية. العمل الجديد يتطلب الكثير من الجهد والمتابعة ولكن أيضا يشترط عدم الكتابة في وسائل الإعلام. شرط عدم الكتابة يستند بشكل اساسي على مبدأين هما عدم الحصول على مال إضافي مقابل الكتابة وعدم إفشاء اسرار المنظمة. كلا المبدأين منطقي تماما فأنا لم أكن أحصل إلا على مكافأة واحدة من كتاباتي في صحيفة الدستور عوضها راتبي الجديد في المنظمة، كما أن عدم إفشاء اسرار المنظمة هو مبدأ أخلاقي لا يمكن النقاش بشأنه.

في الايام الخمسة وسبعين الماضية تحولت إلى "ثور عمل" بكل معنى الكلمة، ومن الممكن بسهولة استخدام اسماء لحيوانات أخرى في هذا الوصف. العمل يستمر من الثامنة والنصف وحتى الخامسة والنصف مساء وثم يمتد ساعتين على الأقل ليليا ومعظم هذا العمل هي مكتبي وورقي وهناك "طقوس" عمل احترافية منهكة مثل المواعيد النهائية للتسليم وتكاثر الضغوط والحاجة إلى المتابعات الحثيثة. في هذا الجو تخليت تماما عن الكثير من هواياتي وساعات الصفاء النفسي التي يحتاجها كل إنسان. الأعباء المنزلية تشغل كل ما تبقى من وقت وفي نهاية الأمر لا مجال لقراءة الصحف أو المجلات أو مشاهدة التلفاز أو السينما أو المسرح أو حتى الإستماع للموسيقى في أجواء مناسبة ولا الحديث مع الأصدقاء. إطلالتي الوحيدة على الترفيه والعالم الخارجي هي متابعة مدونتي محمد عمر ونسيم الطراونة، ومشاهدة مباراة كرة قدم مرة كل أسبوع وربما قراءة صحيفة السجل ومجلة نيوزويك في نهاية الأسبوع.  

ببساطة لا استطيع الإستمرار في هذه الحياة إلى الأبد. بعد 75 يوما عرفت بأنني بحاجة إلى كسر الحلقة التي تضيق علي. الطموحات المهنية لا مجال لتجاهلها ولكن المهم أن لا تدمر نوعية حياتي. في المكتب التوتر دائم وضغط العمل يثقل الذهن ومن الصعب إنشاء صداقات ومعارف متينة، والحياة الاجتماعية تتلاشى تدريجيا وغناء العقل يتراجع ولا بد من القيام بإجراء ما كوسيلة للحماية السيكولوجية من هذا الإدمان المرضي على العمل.

عودتي لهذه المدونة هو أحد الإجراءات التي أفكر بها جديا. لا أدعي أنني ساقدم كتابات سياسية وإعلامية جادة ومتقنة ولا اقول بأنني استخدم المدونة وسيلة لحملة ثقافية نحو التنوير كما كنت أقول سابقا، ولست معنيا كثيرا بالتنظير عن الديمقراطية في الأردن في وجود هياكل سياسية وثقافية غير معنية بحرية التعبير ولا حتى بحقوق المواطنة. هذه المدونة سوف تكون وسيلة لي أولا للتعبير الذاتي وممارسة الكتابة باللغة العربية والتي لم استخدمها منذ بداية عملي الجديد. المدونة ستكون وسيلة للتواصل مع اصدقاء ومعارف وزملاء انقطعت عنهم بسبب الإنغماس في العمل. المدونة ستكون وسيلة لإبداء رأي ما في قضايا محلية وخارجية وأحيانا مجرد طلب لنصيحة ورأي من القراء في مسائل تشغل بالي.

هذه المدونة سوف تصبح أكثر قربا من البعد الشخصي والإنساني وليس السياسي الجاد وهي نافذة للتواصل مع العالم الخارجي ولذلك سوف يتغير إسمها إلى مدونة باتر وردم وليس مرصد الأردن. ربما لن يجد بعض القراء السابقين للمدونة ما يشد انتباههم وربما يقول البعض بأنني أتهرب من مناقشة القضايا السياسية الساخنة، ولكنني ما يهمني حاليا هو معالجة نفسي والعودة إلى حالة من الاهتمام والتواصل مع العالم خارج العمل وإذا ما رأيتم في هذه الكتابات ما يثير الاهتمام فهذا سوف يسعدني كثيرا ولكن لا داعي للكثير من التوقعات!       

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(11) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 15 نوفمبر, 2008 01:47 ص , من قبل Qwaider قويدر
من الولايات المتحدة

حمدالله على السلامة و عودة محمودة بإذن الله. و الله يا استاذ باتر انّنا افتقدنا العمق و الوعي العميق الذي تضفيه على كل المدوّنات الأردنية و العربية و اللتي تحتل فيها و بكل جدارة ارفع المستويات و ان لم تكن كل هذه المنزلة العالية ذات فائدة مادية.
لكن على جميع الأحوال، حتى وان كانت العودة بشكل شخصي للعلاج النفسي كما ذكرت، فلا بأس .. فمجتمع المدونات يلزمه القليل من الذوق و الأدب و الأخلاق الذي تضيفه بروعة كتاباتك ..
قرار عودتك اثلج صدري اليوم، و اتمنى من الله الاّ تثقل كاهلك المسؤوليّات، و الإعتبارات، و التحفّظات فنحرم مرة اخري من كلماتك
مع تمنّياتي بالتقدم المستمر و النجاح الدائم


اضيف في 15 نوفمبر, 2008 07:56 ص , من قبل سميح

"عمل جديد في مجال تخصصي الأكاديمي... يشترط عدم الكتابة في وسائل الإعلام."

يعني ان إمتناعك عن الكاتبة جاء من باب "مجبر أخاك لابطل" ولكن قررت إستثمار المنع لتظهر بمظهر بطولي.
لم أمن ابدا من الذين يثقون في كتاباتك وأجنداتك.


اضيف في 15 نوفمبر, 2008 09:17 ص , من قبل batir
من الأردن

سميح أفندي لم أدعي يوما أنني ألعب دور بطولة ولا أطمح بذلك إلا إذا كان في فيلم مع آل باتشينو. قررت منذ أشهر التوقف عن الكتابة وجاءت مسألة العمل وشروطه إضافة أخرى للقرار وليس سببا رئيسيا.
لم تكن تثق بكتاباتي وأجنداتي، حسنا...أنت حر، ولكن لن أرسل لك أجندة العام 2009 والتي أطبعها ترويجا لي على حساب الشيكات التي أحصل عليها من السفارات والشخصيات السياسية والشركات!!

قويدر شكرا جزيلا لكلماتك اللطيفة ويكفيني عشرة قراء مثلك أثق وأعرف مدى أخلاقهم العالية وثقافتهم الرفيعة لتزويدي بدافع للكتابة.


اضيف في 15 نوفمبر, 2008 10:57 ص , من قبل خالد السعود
من الأردن

حمدلله على السلامة ..
المهم انك تكتب حتى لو بالمدونة فقط ..
وأرجو استمرارك بالكتابة ..


اضيف في 15 نوفمبر, 2008 10:57 ص , من قبل خالد السعود
من الأردن

حمدلله على السلامة ..
المهم انك تكتب حتى لو بالمدونة فقط ..
وأرجو استمرارك بالكتابة ..


اضيف في 15 نوفمبر, 2008 07:51 م , من قبل hamede
من الولايات المتحدة

Good luck


اضيف في 17 نوفمبر, 2008 10:59 ص , من قبل عمر قعدان
من الأردن

يعني الريحة ولا العدم


اضيف في 19 نوفمبر, 2008 09:45 م , من قبل محمد العرسان

اهلا بعودتك ..خسرك القارئ 75 يوما


اضيف في 19 نوفمبر, 2008 10:07 م , من قبل mohmo60
من الأردن

اهلا بعودتك..
افتقدناك كثيرا وافتقدنا كتابة دقيقة وموضعية وثرية في زمن الغث..
اهلا بعودتك كيفما كانت فالاكيد اننا سوف نستمتع بشيء مختلف...
اكتب هذا التعليق وانا فرح جدا بقرارك..
محمد عمر


اضيف في 20 نوفمبر, 2008 01:55 ص , من قبل عمر شاهين

استاذ باتر ادمنا كتاباتك ونرجو ان تعود باي شكل حتى لو عبر المدونة احداث كثيرة تمر واشتاق ان اعرف رايك بها لا تغيب ارجوك


اضيف في 20 نوفمبر, 2008 01:01 م , من قبل bassel
من بلجيكا

زمان عنك يا باتر ! أخيراً ..رجعتلنا ...

باتفاق معك وبختلف معك، بس بالأخر بحترمك كثير ، وبحب أقرألك ..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني