مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

دور الدولة في ضبط إقتصاد السوق

مع تزايد معدلات الشكوى من المواطنين والمؤسسات المدنية وجمعية حماية المستهلك من الإرتفاع الهائل والمتصاعد في الأسعار وتراجع نوعية المنتجات بدأت القوى المؤيدة لاقتصاد السوق المفتوح في شن حملة مضادة قام بها اقتصاديون وسياسيون ومن خلال مقالات في الصحف وتصريحات تحاول إيصال رسالة واحدة مفادها أن اقتصاد السوق والاتفاقيات الدولية لا تترك مجالا للحكومة للتدخل في السوق وضبط الأسعار وأن قوى السوق وحدها هي التي تتحكم بالأسعار لأن ذلك من اساسيات نظام العولمة.

عفوا ولكن ليس اقتصاد السوق قدرا أمام الناس لا يمكن مواجهته، والدولة لا يمكن أن تنسحب من دورها الاقتصادي والاجتماعي، وإذا كنا نحن لسنا من المختصين الإقتصاديين للمجادلة في نظريات اقتصاد السوق وتدخل الدولة فإن معرفتنا وإطلاعنا قد يسمح بإبداء بعض الملاحظات.

في بداية الأمر فإن الأردن بحاجة ماسة إلى قانون حماية المستهلك والذي هو موجود حاليا في ديوان التشريع، ونتمنى أن يكون أول مشروع قانون يعرض على مجلس النواب القادم لأنه وبدون منظومة تشريعية مناسبة فإن الغابة المسماة إقتصاد السوق سوف تستمر في السيطرة على الأسعار لمصلحة المنتجين وعلى حساب المستهلكين تحت ذريعة العولمة والإقتصاد الحر والنمو الاقتصادي، ولكن هناك ايضا وسائل أخرى للدولة تستطيع من خلالها التدخل حتى ضمن دكتاتورية اقتصاد السوق.

من المفروض أن تراقب المؤسسات الحكومية كل الإختراقات لمبادئ السوق ومنها الاحتكار والتلوث وتردي النوعية وعدم وجود معلومات صحيحة على المنتجات وهذه كلها غائبة حتى الآن ويستثمر بعض الموردين والمنتجين والموزعين غياب هذه الآليات لطرح مواد استهلاكية وتقديم خدمات متردية النوعية وأحيانا الإتفاق بين مجموعة المنتجين على رفع السعر بطريقة موحدة كما فعل تجار الألبان والحديد وهذه ليست مسؤولية التاجر بقدر ما هي مسؤولية الدولة التي يجب أن تتدخل لمنع هذا الإختراق لمبادئ السوق والتنافسية.

القانون وحدة هو الكفيل بضبط السوق بطريقة تحمي المستهلك وهذا ليس تدخلا في آليات السوق. في كل دول العالم تكون قوانين حماية المستهلك قاسية ولا مفر منها، وقد رأينا في الاسابيع الماضية قيام شركات دولية كثيرة بسحب منتجات لها من الأسواق العالمية بعد أن تبين أنها تحتوي على مواد سامة أو أنها مصنعة بطريقة رديئة. بالطبع ليست الأخلاقيات والمبادئ الإنسانية هي السبب وراء سحب المنتجات وخسارة الملايين بل الخوف من القانون الذي يجر اية شركة إلى المحكمة ويجعلها تدفع تعويضات بمبالغ طائلة في حال اختراقها لقانون السوق، وهذه التشريعات غير موجودة في الأردن ولا سبيل لتحقيق اية حماية للمستهلك بدونها.

تدخل الدولة في إقتصاد السوق موجود في كل دول العالم وفي الأردن فإن الدولة تتدخل في سياسات الضرائب والإنفاق العام والسياسات النقدية ولكن هناك غياب لتدخل الدولة في البعد الاجتماعي والذي يتمثل في حماية حقوق المجتمع من التعدي عليها من أطراف معادلة الإنتاج والتوريد الاستهلاكي بالذات، وقد أثبتت كل السياسات الاقتصادية في السنوات الماضية دعما مباشرا لقطاع الأعمال والتجار لم يستفد المجتمع منه إلا بزيادات مستمرة في الإستنزاف المالي من خلال ارتفاع معدلات الأسعار لتضاف بذلك إلى النتائج المعروفة لسياسات صندوق النقد الدولي في الإنسحاب من السوق وزيادة معدلات الفقر والبطالة.

إن سياسات التنمية والصحة والتعليم والطاقة الممولة جزئياً أو كلياً من الدولة تتنامى بكافة بلدان العالم، حيث لا يمكن أن يترك إنتاج أو توزيع هذه الخدمات وتحديد أسعارها بآليات السوق. فالحصول على الخدمات العامة من جهة وتعليم ورعاية وإيجاد فرص عمل للجميع هو حق للمواطن وليس مقابل ثمن يدفع وفقاً لقوانين العرض والطلب، وكذلك الأمر بالنسبة للاسعار الخاصة بالسلع الأساسية خاصة مع التراجع الكبير للقوة الشرائية للدخول والرواتب.

خبراؤنا الأقتصاديون يقرأون جيدا أدبيات صندوق النقد الدولي والنظرية الخاصة بالسوق المفتوح ولكنهم يحجمون عن قراءة جوزيف ستغلتز وداني رودريك، ولا يريدون أن يقتنعوا بتجربة الدول الإسكندنافية في الرفاه الاجتماعي والتي إعتمدت على ضبط مرن من الدولة لوحشية اقتصاد السوق ولا يريدون أن يسمعوا بإنجازات ماليزيا في الهروب من الآثار الوخيمة لبرامج التصحيح من خلال سياسة معتمدة على إنتاج وطني وضبط تشريعي لاقتصاد السوق. ولكن الملاحظ في هذا السياق إن هذه الطروحات الأقتصادية تبدو أكثر شراسة من قبل القطاع الخاص وليس من الدولة حتى في ظل السياسات الاقتصادية الليبرالية التي يتم إنتاهاجها ما يؤكد وجود شبكة من "الصفوة الاقتصادية" المستفيدة تماما من سياسات الاقتصاد المفتوح الخالية من الأبعاد الاجتماعية والتنموية والبيئية، وهي شبكة لا تجد صعوبة في طرح وجهة نظرها عبر مختصين اقتصاديين يروجون لها.

فرضية اقتصاد السوق ليست قدرا، بل هي نظرية ربما ساهمت في تحسين النمو Growth ولكنها ابدا لم تحقق التنمية Development في أية دولة نامية وخاصة في غياب ضبط الدولة لإنفلات السوق، وهذا يجعلها عرضة للنقد والتغيير وليست قدرا مفروضا على الاقتصاد الأردني كما يريد البعض أن يروج. بالتأكيد أن هناك اتفاقيات دولية يجب أن تحترم، ولكن لا أعتقد أن هذه الاتفاقيات تمنع التفكير بأدوات اقتصادية-اجتماعية لحماية الحقوق العامة للمجتمع خارج إطار اقتصاد السوق ولكن المشكلة هي في ذهنية اقتصادية محلية أصبحت غير قادرة على الإقتناع بوجود البديل، بالرغم من أن الكثير من الدول الأوروبية والآسيوية وحتى في أميركا اللاتينية جربت هذه الآليات بنجاح.

الأردن بحاجة ماسة إلى تطوير خطاب اقتصادي-اجتماعي بديل مبني على العلم والتخصص والتجارب الناجحة والأرقام والمنطق، ولكن المشكلة أن أحزابنا ونقاباتنا إما مشغولة بالنضال القومي العام أو بالمناكفات السياسية والإيديولوجية ولم تستطع أن تطور خطابا جديدا كما أن منظمات المجتمع المدني تهتم بالقشور والأحداث ذات التركيز الإعلامي وليست معنية بالبحث العميق في البدائل، ولهذا تبقى الساحة فارغة لسدنة نظرية اقتصاد السوق محاولين إقناعنا بوهم مفاده أن اقتصاد السوق هو قدر لا مهرب منه.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 سبتمبر, 2007 03:26 م , من قبل Quest
من الأردن

سلام . اتابع منذ مده كتاباتك ويجب ان اعترف باعجابي بتكريسك للبحث والعمل في عده نواحي تخص الحريه والامان والديمعراطيه في الاردن خصوصا وللانسان على وجه العموم . راودني اليوم سؤال مؤرق فمع تعدد المدافعين عن الحق والخير والجمال ارى ان التسارع نحو التردي في كل المسالك هو الحال الاكثر تسيدا على جميع الاصعده . فالفساد استشرى والذوق تردى وشراسه التعامل الانساني صارت الصفه السائده في المجتمع الاردني هذا عدا عن الضعف الحكومي والترهل العام في كل المستويات الاداريه , هل نخن فعلا مقبلون على الهاويه , اليس هناك من نافذه امل . هل يمكن للمثفين والبسطاء من سواد العامه ان يبادرو الى وقف النزيف . اننا بحاجه الى عمل والا فالمستقبل اكثر عتمه من ليل دامس
نحياتي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني