نكتب دائما منتقدين سياسات الحكومة في حالات الهدر وزيادة الأسعار وتحميل المواطنين ضرائب إضافية أو أعباء مالية للسياسات الاقتصادية الجديدة في مجالات النفط والطاقة والعديد من القطاعات الأخرى، وبنفس الوقت يجب ألا نتجاهل قيام المواطن الأردني طائعا مختارا بهدر حوالي مليار ونصف دينار سنويا على مسائل استهلاكية مثل الهواتف الخلوية والتدخين والتي تتراوح ما بين إضاعة المال والوقت في الثرثرة وما بين إيذاء صحة الآخرين. ينفق المواطنون في الأردن فاتورة تصل إلى أكثر من مليار دينار سنويا لدفع فواتير ثلاثة ملايين جهاز خلوي على الأقل ناهيك عن شراء الأجهزة الجديدة وتبديلها مرة سنويا لدى نسبة كبيرة من المواطنين، وفي نفس الوقت ينفق الأردنيون 350 مليون دينار سنويا على مستلزمات التدخين دون أن نأخذ في عين الإعتبار التكلفة الصحية العلاجية للأمراض الناجمة عن التدخين. في هذا السياق ينفق المواطن تقريبا 15% من الناتج القومي الإجمالي للأردن وحوالي ربع الموازنة العامة (كنسبة تقريبية) على استهلاكات كمالية، وفي هذا الموضوع لا يمكن لوم الحكومة ولا الصهيونية ولا المخابرات الأميركية بل نلوم أنفسنا وعقلية الاستهلاك المترفة التي توجد لدينا حتى في حال الضغوطات الاقتصادية التي نعيشها. يؤمن المقتنعون بنظريات السوق المفتوح والاقتصاد الليبرالي أن المستهلك حر فيما ينفق ولا يمكن للحكومة أو التشريعات أن تحاول تضييق خيارات الاستهلاك أمامه، ولكن في نفس الوقت فإن الاقتصاد المفتوح لا يمنع وجود منظمات وجمعيات ووسائل إعلام تحذر من هذا الهوس الاستهلاكي غير المعقول. في ظل وجود العديد من جمعيات التوعية في الأردن فإن الحاجة باتت ماسة إلى جمعية لمكافحة الثقافة الاستهلاكية وتوعية المواطنين بضرورة تحديد أولويات الإنفاق وخاصة لدى الطبقات الوسطى والفقيرة للتركيز على احتياجات الصحة والتعليم والغذاء والمسكن قبل هذه الأنماط الاستهلاكية السيئة، وهناك أيضا مسؤولية كبيرة لوسائل الإعلام في التوعية. بااطبع لا أحد يريد أن يكون منظرا بعيدا عن الواقع، ولكن ثقافة ترشيد الاستهلاك باتت ضرورية في حياتنا. نحن نعرف أن معظم المواطنين يضيقون ذرعا بمحاولات التنبيه إلى ضرورة التخفيف من الاستهلاك خاصة في ظل تزايد مظاهر البذخ الاستفزازية من الطبقة الثرية وتراكم رأس المال الاستهلاكي لدى طبقات محددة من المجتمع والقناعة التامة بوجود فساد مبرمج لا يمكن محاربته بالوسائل الحالية، ولكن في نهاية الأمر فإن المواطن يجب أن يكون قادرا على التمييز فيما إذا كانت علبة الدخان اليومية أهم من تأمين مدرسة أفضل لأولاده أو تحسين نوعية الغذاء المقدم لهم. ترتبط حالات الاستهلاك بقوة الإعلان وجاذبيته في الأردن سواء كان إعلانا صحافيا أو هاتفيا أو تلفزيونيا، وفي الواقع فإن قدرة شركات الإعلان على تطوير خطط وحملات إعلانية تبدو متميزة جدا وأحيانا قد تعتمد على تحليل لشخصية المستهلك النفسية لأن قوة الجاذبية الإعلانية تغري الناس بشراء ما لا يلزمهم ولكن يتم الشراء فقط لأغراض إظهار القدرة المالية وربط الشراء الاستهلاكي بالحالة الاجتماعية الحقيقية أو الوهمية التي يحب البعض أن يعيش ضمنها. نصف ما يدفعه المواطن الأردني على الهواتف الخلوية يمكن أن يساهم في بناء ناقل المياه من حوض الديسي إلى عمان لمواجهة أزمة شح المياه في العاصمة، وهذا مجرد دليل آخر على مشكلة الهدر في الموارد. في الوقت الذي يتم فيه إنفاق هذه الكميات من الأموال على الهواتف الخلوية والتدخين فإن موارد شحيحة أخرى مثل المياه تتعرض لاستنزاف عال بدون نظام رقابة فعال للكف من الهدر وسيأتي يوم نجد أنفسنا ندخن ونثرثر بالهواتف الخلوية دون أن نجد المياه للشرب. مسألة التدخين تحتاج إلى تفعيل قاس وغير متردد للتشريعات. لقد أظهر الزميل حلمي الأسمر في مقالته قبل يومين حالة نموذجية من تجاوز القوانين الخاصة بمنع التدخين في المستشفيات ولكن هذه الظاهرة عامة وتحتاج إلى منظومة ردع قانونية تتجاوز التوعية وصور الرئة المريضة على علب السجائر. التدخين سلوك مضر وليس حرية شخصية كما يدعي البعض، ولكن في مجتمعنا فإن غير المدخن يضطر للتردد والاعتذار في حال طلب من المدخن إطفاء السيجارة، وهذا عكس المنطق والذوق العام تماما ولا يمكن أن يتشجع غير المدخن للدفاع عن حقه في هواء نظيف إلا بالاستناد إلى قوة الردع القانونية التي يجب أن تتمثل في الشرطة وأصحاب القرار في المواقع العامة. ضريبة التحول إلى الاقتصاد الحر تعني زيادة في أسعار معظم المواد الاستهلاكية الأساسية وهذا يتطلب أيضا ثقافة استهلاكية جديدة تحرص على وضع الحاجات الأساسية في الأولوية وليس الاستهلاك الكمالي. في هذا السياق تلعب الأسرة ووسائل الإعلام الدور الرئيسي في الاتجاه نحو الإدخار الأسري والتقليص من غريزة الإقتناء المفرط للسلع غير الضرورية والتي تعني القدرة على مقاومة المغريات الإعلانية التي تمثل أكبر عامل مساهم في هدر الأموال على السلع غير المهمة. وعندما يترافق ذلك مع توجه عام في المجتمع يتم بموجبه تصنيف الناس حسب امتلاكهم لهذه المنتجات الكمالية، يركض المواطنون يوميا لامتلاك هذه المنتجات على حساب الإدخار والتعليم والصحة، فهذه المنتجات الكمالية هي هوية الشخص أمام أفراد المجتمع أما الإنفاق على التعليم والصحة والعائلة فهو شأن داخلي لا يعطي الشخص مكانة اجتماعية أمام أقرانه وهكذا لا يكون هذا الإنفاق أو حتى الإدخار ذا أولوية. الشكوى والتبذير الذي يميز المواطن الأردني حول الاقتصاد، وما نسمعه يوميا من الناس حول تدهور المستوى الاقتصادي والغلاء لا يترافق مع السلوك الاستهلاكي الذي نراه. فنفس المواطنين الذين يغضبون لارتفاع أسعار الخبز والمحروقات بما هو أقل من دينار هم أنفسهم الذين يشترون أحدث أنواع الاجهزة الخلوية حتى يتباهوا بها في المجتمع ويحصلون على هوية رفيعة المستوى حتى لو كان ذلك يترافق مع أوضاع صعبة داخل الأسرة والبيت كما أنهم الذين يفضلون شراء الدخان على الغذاء والأدوية والترفيه العائلي المشترك. حرية الاستهلاك الشخصية مهمة وينبغي احترامها ولكن في نفس الوقت وقبل أن نواصل الشكوى من الوضع الاقتصادي لنحسب كيف نصرف على السلع الكمالية، وباستثناء الفقراء الذين لا يملكون حتى خيار شراء المواد الكمالية فإن غالبية المواطنين يضيعون الكثير من مواردهم المالية تحت تأثير سحر الإعلان والسلع الاستهلاكية، وبعض التخطيط السليم قد يساهم في اقتصاد عائلي متوازن.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الولايات المتحدة

I agree with Hisam on taxing smoking. but when it comes to Cell phones, it is not all secondary spending. for many people, such as business owners, travelers, or those who work late and needed it in case of emergency. But for others, such as the younger ones trying to show off, then it is wasting money. but how can you make the distinction between the two? it is impossible.
من الأردن

يا أخي حلوا عن ظهر الأردنيينن. ومين قالك إنوا ما في الى الأردنيين بالبلد بيشتروا خلويات وبيدخنوا؟ في عراقيين وفي مصريين وفي اسيويين مئات الألف منهم. وفي سياح بيشتروا من الأردن لأنوا الأسعار رخيصة. ليش حاطين محطة هالشعب الغلبان. هو قادر يشتري سيارات وفيلات و سافر على باريس ولاندن. يا عمي حلوا عنا يا. شوفي عند الأردني بيقدر عليه بالدخل التعيس بتاعه. ازا الأردني بيصرف فلوسه على الخلويات لأنو هذا الإشي الوحيد اللي قادر يقتنيه. والتدخين بالنسبة له هو بمثابة موت الرحمة من هال العيشة القرف. فكرك مش عارف الأردني انو الشجاير حاتجيب اجلو؟ هو عارف وبيستنا اليوم اللي يجي اجلو حتى يرتاح من الحياة الزبالة اللي عايشها والقهر والقمع والإذلال. عشو بدوا يعيش الأردني 70 سنة؟ عشان يشوف اولاد الكلاب بيتنعموا بفلوس تعبو وهو يشتغل زي الحمار وبرده الفقر والبطالة فوق ال 30-40 % وبعدين بيجوا اولاد الإيش وبيعطوا محاضرات على ثقافة العيب وهم ازا نزل معاشهم عن 1000 دينار بيحردوا.
والله اموا الأردني مسكين.
دكتور بوب رفض عرض التعليق التالي على هجومه على العلمانيين اللذين لا يهاجموا من يسميهم بالأصوليين.
http://doctorbob1.jeeran.com/archive/2007/7/258192.html
العلمانييون لايدافعون عن الأصولييون, بل يدافعون عن آخر المقاومين. هل سمعت في أيامنا هذه عن شيوعي يقاتل الصهيونية والإمبريالية في الجبهة؟ هل سمعت بفدائيين قوميين يواجهون الإحتلال والقمع؟ هل سمعت بكتائب العلمانيين توجه ضربات الى فلول الإحتلال؟ هل وهل وهل؟ طبعا لا. اليوم معظم هؤلاء تم شرائهم بوظائف حكومية فهم يطبلوا ويزمروا ويبيضوا وجه القمع والتخلف مثل ايام القمع "الإأشتراكي"
فلم يبقى الا خيارين , وعليك ان تختار في وقت المعركة فيه حامية :
اما ان تقف مع نظام قمعي عربي خائن يساعد قتلة العرب ويعينوه , أو تقف مع تيار قمعي ولكن يواجه قتلة العرب ويدافع عن الأرض والكرامة الوطنية. ولا يوجد بالعالم العربي تيار ثالث ذي قيمة.
لذلك يا عزيزي قبل ان تشتم بالأصوليين وتضعهم في خانة واحدة, اسئل نفسك مع من تقف اذا لم تقف مع الأصولييون او تكف شرك عنهم.
ثم من هم الأصولييون كما تسمييهم. هم ليسو من المريخ ولا زحل. هم عرب منا وفينا ولكن من القهر والذل وفقدان الأمل لم يعودوا يسعدوا بالحياة فبدؤا يحضرون لآخرتهم. وطز على هيك حياة يعيش فيها العربي ذليل كالدابة يأكل ويتكاثر ثم يجر العرباية وبعد سنوات يفطس. هذا حالنا تحت قمع الأنظمة وذل المحتل. اما الأصولييون فهم قمعييون بدون شك ولكن يواجهون المحتل ببسالة غير معهودة في تاريخ البشرية بينما نحن العلمانييون والشيوعيون والتقدميون كما نحب ان نسمي انفسنا سنبقى اما متفرجين او نصبح عملاء الأنظمة القمعية والإمبريالية مقابل حفنة من فائض الدولارات الأمريكية واللتي اوجدها البترول الخليجي الرخيص.
من الأردن

مدحت ما قلته مبرر غير مقبول والذي يعجز عن شراء الخبز والطعام لأولاده يجب ألا يدفع على التدخين والهواتف الفاخرة. النمط الاستهلاكي لدى الأردنيين في غاية المبالغة ولو كان لدينا نفط لكنا أسوأ بكثير من الخليجيين في الترف والبذخ، لأننا الآن نصرف ونترف على خازوق، كما أوضحت تماما.
من الأردن

رفعت أعتقد أن الموضوع الذي تتحدث عنه خارج نطاق هذا المقال ولكن بما أنك ذكرته فإنني بكل تأكيد أفخر في أنني ضد الأصوليين الذين يريدون تفجير الفنادق والمناطق السياحية والمدارس والقطارات والمطارات وما يقومون به هو عار على الإسلام وليس مقاومة ولا بسالة ضد العدو.
من الأردن

سيد باتر،
إن عدول المشرع عن إلقائ نظرة واحدة على دخل المواطن و التمعن و التدقيق في سلوكه الاستهلاكي هو سبب المعضلة. إن و ظيفة المشرع الأساسية و الوحيدة هي وضع قوانين الجباية على أساس الدخل و توفير أفضل بيئة مالية للمواطن. مع احترامي الشديد لوجهة نظرك ولكن سردك للموضوع بهذا المنطق إن دل على شيء فإنه يدل على أن المشرع ينظر إلى المواطن نظرة صاحب العمل لموظفيه بإعطائهم رواتب شهرية و التفكير في كيفية إقتطاعها، فإذا قام الموظف بالشكوى من ضيق الراتب و كثرة الاقتطاعات يبرر صاحب العمل ذلك بقوله : "لماذا لا تفكر بترك الدخان أو تخفيف فاتورة الموبايل".
سيدي إن المنطق الذي تحاول إقناع الناس به هو منطق استغلالي بحت يقوم المشرع فيه بدراسة قنوات الاستهلاك الضخمة و فرض الضرائب و الجمارك عليها بحجةوقاية صحة المواطن في حالة التدخين، و "تغيير ثقافة الاستهلاك" في حالة الاتصالات الخلوية.
صديقي لنتوقف عن التدخل في سلوك المواطن و نحاول التأقلم مع استغلال المشرع.
من الأردن

أخي عمر غسان شكرا على وجهة نظرك. أنا في الواقع لم أكتب مبررا أو مؤيدا للمشرع بل أكتب من وجهة نظر مواطن يقترح إعادة النظر في بنود الإنفاق الغستهلاكية على المستوى الشخصي والاسري وكيف يمكن لها أن تحسن من أنماط الإنفاق نحو التعليم والصحة أكثر من الهواتف الخلوية والسجائر وغضاعة الموارد. بالطبع كل شخص حر في خياراته ولكن في المقابل كل شخص لديه موازنة بين موارده المتاحة وبين متطلبات الإنفاق وكلما تم ذلك بحكمة كلما إستفاد الشخص. وهذا ليس منطق صاحب عمل ولا منطق مشرع بل منطق مواطن يحاول إدارة موارده بالطريقة الصحيحة.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















من المملكة العربية السعودية
استاذ باتر
انت لا تستطيع تغيير ثقافة مجتمع بأكمله من طريق مقال او مناشدة.
بالنسبة للتدخين هناك حلول مجربة و مطروقة سابقا، فمثلا تستطيع الدولة ان تفرض ضريبة عالية جدا على التدخين، و بذلك يمكن تقليل نسبة التدخين بصورة ملموسة. الغريب ان الحكومات الاردنية تتسابق على رفع اسعار المحروقات و السلع الضرورية جدا، فلماذا لا تفرض ضريبة على التدخين؟ (مع انني مدخن!)
اما بالنسبة للهواتف الخلوية فيمكن ايضا فرض ضريبة عالية على استيرادها و يمكن كذلك رفع اسعار المكالمات المحلية.
اعتقد ان هذا هو الاجراء الافضل، اما مناشدة شعبنا الرائع بتغيير ثقافته فهي في احسن التقديرات مضيعة للوقت و الجهد.
و شكرا على هذا المقال
هشام