أتاح المركز الأردني للإعلام مشكورا الفرصة لبعض الكتاب والإعلاميين للمشاركة في حوار مفتوح حول إرتفاع الأسعار في الأردن والأسباب الداعية لذلك والأهم من كل ما ذكر الوسائل والأدوات التي يمكن استخدامها للحد من هذا الإرتفاع وحماية حقوق المستهلك والمنتج الأردني معا إن كانت الإمكانية متاحة. الحوار الذي شارك به وزير الصناعة والتجارة ورئيس جمعية حماية المستهلك ونقيب تجار المواد الغذائية وبعض الاقتصاديين والإعلاميين جاء ثريا، وبالنسبة لي شخصيا كانت فرصة للتعلم والإستزادة من المعرفة لان هذه القضية هي بالفعل تعتمد على المعلومات الاقتصادية والأرقام ودراسة مكونات السوق وعناصر الإنتاج والتسويق والإستيراد وكل ما يتقاطع معها من أسعار عالمية وتكليف إنتاج وشحن ونقل وضرائب ووسائط تجارية مما يجعل القضية معقدة جدا. ولكن لا بد من القول بصراحة بأن هذه القضية هي أهم قضية في الأردن حاليا وهي تمس جميع المواطنين وهي أهم من الإنتخابات النيابية ومن ترشيحات جبهة العمل الإسلامي وغياب زكي بني إرشيد وهي المسائل التي تشغل الإعلام المحلي. وفي خضم كل هذا النقاش حول الأسباب ووسائل المعالجة يمكن لنا الخروج بمجموعة من الملاحظات حول أسباب الغلاء وحول طرق الحل، أود أن أعرض لبعض الأسباب والوسائل على سبيل التوثيق علنا نساهم في الوصول إلى سياسة استهلاكية يمكن أن تحقق توازنا بين مصالح المنتج والمستهلك الوطني. من أهم اسباب إرتفاع الأسعار إنسحاب الحكومة من ضبط السوق والاعتماد الكلي على أدوات السوق والتنافسية وتعددية العرض والطلب وهذه هي من أهم الانتقادات الموجهة لسياسات الإنفتاح الاقتصادي، وقد طالب بعض المشاركين بالعودة إلى صيغة وزارة التموين ولكن رد الحكومة كان واضحا في عدم إمكانية ذلك نتيجة الخصائص الجديدة للاقتصاد العالمي والاتفاقيات الاقتصادية الدولية التي تخفض تماما دور الحكومة في فرض الأسعار، كما أن الحكومة اشارت بأن تجربة وزارة التموين السابقة لم تكن خالية من العيوب وحالات الفساد والإحتكار وارتفاع الأسعار. وكان الحل في نظر الوزارة هو دعم المجتمع المدني مثل جمعية حماية المستهلك لتبني حالات رفع دعاوى ضد المحتكرين من التجار بالإضافة إلى قيام الحكومة بنشر لائحة شهرية للمؤشرات التسعيرية لأهم البضائع تتضمن تكاليف الإنتاج والسعر العالمي وما هو السعر المناسب للسوق الأردني وهي لائحة غير ملزمة ولكنها تأشيرية وتساهم في توعية المستهلك بالقيمة الفعلية للسلعة والمنتج. السبب الثاني هو إرتفاع تكلفة الإنتاج على المنتج المحلي نتيجة الحاجة إلى إستيراد مدخلات الإنتاج من قبل المصانع المحلية بالإضافة إلى الضرائب والرسوم التي تطلبها الحكومة. وقد عرض د. إبراهيم سيف مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية في مقابل ذلك الطرح لدراسة حول تكاليف إنتاج منتجات الألبان في الأردن تؤكد بأن هامش الربح الحالي لتجار الألبان كبير جدا ويمكن أن يتم بيع الألبان بأسعار أقل ومع ذلك فإن تجار الألبان يتفقون على السعر المبالغ بها إستنادا إلى قيمة التركز العالية لوجود 5-6 شركات تسيطر على 90% من السوق الأردني وتتحكم بالسعر. السبب الثالث كان ضعف اختراق الأسواق الشعبية والمؤسستين الإستهلاكية والعسكرية حيث لا تغطي هاتين المؤسستين أكثر من 10% من السوق المحلي، وتم إقتراح أن تقوم المؤسستان بتغطية 30% من السوق تقريبا بالرغم من وجود طرح مقابل لدى المنتجين بأن زيادة تغطية المؤسستين تعني تأثيرا سلبيا على البقالات والتجار الصغار غير القادرين على التنافس مع المؤسستين وهم أيضا مواطنون لهم حقوقهم في الحياة الاقتصادية الكريمة. كما تم الإقتراح ايضا بأن تكون الأسواق الشعبية دائمة مع وجود ملاحظة بأن الأواق الشعبية تقدم قيمة مضافة غير مستحقة لأصحاب هذه الأسواق مقابل إضطرار اصحاب المحال المرخصة إلى دفع الإيجار والعديد من الرسوم الأخرى. السبب الرابع كان غياب التشريعات الناظمة للأسعار، ولكن الحكومة اشارت إلى أن قانون التنافسية يمنع الاحتكار ويسمح للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني برفع الدعاوى على التجار المحتكرين كما أشار الوزير إلى أن قانون حماية المستهلك سوف يشكل نقلة نوعية في التشريعات تعطي الكثير من الحقوق والمزايا للمستهلكين لضبط السوق بأدوات تشريعية تتناسب مع اقتصاد السوق. السبب الخامس كان يتعلق بالمنتجات الغذائية من الخضار والفواكه وهو وجود حلقة معقدة جدا من الزراعة والإنتاج والمدخلات الإنتاجية والتسويق والوسطاء وهي حلقة تجعل سعر المحصول يتضاعف لدى مروره في كل جزء من هذه الحلقة، حيث أكدت الحكومة أنها سوف تعمل على تفكيك هذه الحلقة المعقدة بحيث لا يتم تحميل المستهلك كل هذه الزيادات وبنفس الوقت يتم منح المزارع النسبة الأعلى من قيمة المحصول بينما يحصل حاليا على النسبة الأدنى مقارنة بأجزاء الحلقة الأخرى خاصة أن الإحتكار موجود أيضا في مدخلات الإنتاج وليس في المنتج النهائي فقط. السبب السادس يتعلق بالمنتجات المستوردة هو إرتفاع الأسواق عالميا، والذي أدى حسب طرح نقيب تجار المواد الغذائية إلى تكاليف إضافية على المستورد تسبب في تآكل رأس المال نتيجة سياسات حمائية أو دعم مقدم من الدول الأوروبية والولايات المتحدة أو تغير مفاجئ في السياسات. وضرب مثلا على ذلك تضاعف سعر طن الزيوت النباتية من 750 دولارا قبل 6 أشهر إلى 1500 دولارا بسبب توجه أوروبا والولايات المتحدة إلى إستخدام الذرة والصويا مصدرا للوقود الحيوي لإنتاج الإيثانول مما جعل سعر المنتج في السوق العالمي يرتفع بسعر كبير مع تحوله من مادة غذائية إلى مصدر للطاقة، والنتيجة بالطبع زيادة التكلفة على كل المنتجات التي تدخل الزيوت النباتية في تركيبها. السبب الأخير ولكن ربما الأكثر أهمية هو ارتفاع نسب التضخم في الاقتصاد الأردني مقابل الثبات بل والتراجع في القوة الشرائية نتيجة ضعف الرواتب وعدم كفاية المعدل والحد الأدنى للأجور لتأمين الحياة الكريمة وهذا ما يتطلب رفعا للأجور الأساسية تناسب مع ارتفاع نسب التضخم. الحديث تضمن أيضا إنتقاد الإحتكار الموجود في بعض الخدمات مثل النقل وبعض المنتجات التي تخضع لتوكيلات أجنبية ويقوم صاحب الوكالة باحتكار وتحديد السعر، وكانت تلك الإنتقادات تطالب الحكومة بوضع سياسة بديلة أو موازية لسياسات السوق المفتوح لمحاولة ضبط ما يمكن من إنفلات في الأسعار. رأي الحكومة كان صعوبة العودة إلى صيغة الرقابة والسيطرة المركزية ولكن القدرة على تقديم المعلومات وإرشاد المستهلكين عن الأسعار التأشيرية للمنتجات والسلع ودعم مؤسسات المجتمع المدني واستثمار قوى الضابطة العدلية الموجودة في قانون التنافسية لضمان شفافية التنافس ولكن المثير للإنتباه كان الدعوة المتكررة من الحكومة للمجتمع المدني ليقوم بالريادة في حالة نادرة من تسليم الصلاحيات من السلطة التنفيذية إلى الإعلام والمجتمع المدني، مما يؤشر على أولوية هذا الموضوع لدى الحكومة وحيرتها في كيفية التوازن بين ضبط السوق لضمان الأمن الاقتصادي وما بين الألتزامات الاقتصادية الدولية. في خلاصة الأمر فإن مسألة الاستهلاك وارتفاع الأسعار تحكمها العديد من العوامل الاقتصادية والسياسية والتي تعتمد على الأرقام والمعلومات وتحتاج إلى دراسات دقيقة وهنا يأتي دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في تحليل المعلومة الاقتصادية الدقيقة لتقديم بدائل في السياسات والإجراءات عما هو متبع حاليا من أجل المضي قدما نحو حالة من التوازن المنشود ما بين مصلحة المستهلك ومصلحة المنتج الوطني بدون أن يضطر المستهلك والذي يمثل الحلقة الأضعف إلى دفع ثمن السياسات الاستهلاكية الحالية.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

اخي باتر شكرا لك لاثارة هذا الموضوع الهام في مدونتك التي اصبحت كفنجان القهوة اليومي بالنسبة لي ولرواد الانترنت.
في الحقيقة نستطيع ان نقول ان الحكومة تخلت عن مسؤوليتها تجاة المواطن وتركته في مواجهة ارتفاع الاسعار وجشع التجار هذا من ناحيه من ناحية اخرى اذا ما القينا نظره على الاجور في الاردن نجدها لا تتناسب مع التضخم لاقتصادي الحاصل فقد ارتفع هذا التضخم في السنوات الاخيرة بنسبة 5% مقابل حد ادني من الاجور لا يتجاوز 110 دينار وهذا يدفع المواطن الى الهاوية. ماالحل؟؟؟ هل هو في الاسواق الشعبية التي اثبت عزوف التجار عنها بسسب الخسائر التي لحقت بهم نتيجة تكلفة اجور النقل ام الحل في عودة وزارة التموين وهذا يتعارض مع سياسية السوق المفتوح؟؟؟ ارجو الاجابة
محمد العرسان
اذاعة عمان نت
www.ammannet.net
ersan@ammannet.net
من الأردن

الاخ باتر
لا اعتقد ان هنالك حلا سحريا لمشكلة الغلاء تملكه الحكومة (وليس دفاعا عنها) بل ان الحل يكمن في جملة من الحلول قد يقع بعضها على كاهل الحكومة وبعضها على القطاع الخاص وبعضعها على المستهلك نفسه.
اما الحكومة فعليها ان تراقب السوق وتحارب سياسة الاحتكار وان تغير بعض التشريعات وخصوصا مايتعلق بموضوع الوكالات وتخفيف الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على بعض السلع الضرورية والاهم رفع رواتب الموظفين ليتناسب و مؤشر غلاء المعيشة.
أما القطاع الخاص فعليه ان يقوم برفع اجور موظفيه وان يبحث عن طرق اخرى لتخفيض الكلفة التشغيلية بدون اللجوء للحل السهل وهو البحث عن عمالة رخيصة والتركيز على الجودة والمنافسة على الاسواق الداخلية والخارجية.
اما المستهلك فعلية تغيير نمط استهلاكة وعدم اللجوء الى شراء السلع بكميات كبيرة فأذا كان السكر متوفر فلماذا نشتري السكر بالخريطة 50 كيلو مما يوحي بزيادة في الطلب ومبرر عند بعض التجار لرفع السعر وقس على ذلك معظم السلع.
ان عصر وزارة التموين قد ولى وسوقنا مفتوح وارتفاع السلع هو ارتفاع عالمي فعندما تبيع الدول النفطية البرميل ب80 دولار توقع ان يستعيد الغرب دولاراته عن طريق بيعنا سلع بسعر اعلى لان كلفته ارتفعت بالاضافة الى ان دولا مثل الصين والهند زادت الطلب على معظم السلع العالمية مما شكل مبررا اخر لرفع الاسعار.
من الولايات المتحدة

اخب المحترم
لقد علقت على المفالة التي اقحمت العراقيين في اسباب التضخم الذي اصاب السوق الاردني ولاجل ان اعبر عن حب العراقي للاردن اهدبكم هذه القصيدة- عمان - عسى ان تنال رضاكم كتهليق على مفالكم ..شكري وتقديري .. عراقي
عمّانُ تنثر ُ نورَها مطــــرا
فترى بيادرَ حسنِها دُررا
سكنتْ على جُنح الهوى قدرا"
وتربَّعتْ فوقَ الذُّرى وكَرا
وسرتْ نَسائِم ُعِزّها ذِكـَـــرا"
وتلفـَّعتْ فـــي مجدِها كِبَرا
أمٌّ علــــــى أحلامِها بسَطتْ
جُنْحَ العزيمةِ للعُلى سفــرا
تجري وراءَ المجدِ عاشقــة "
وعيونُها تطوي المدى بصرا
فتقدَّمتْ آمالُها زمنـــــــــــا"
يعدو وفي خطواتِها أخْتِصرا
لا تتعبُ الأفكارُ راكضـــة"
تبني علـــــى آثارِها الحجرا
فترى الخليًّةًَ فـــي معاملِها وترى الشوارعَ بالخُطى زُمرا
عَهْدا" إلى الأجيال تدفَعــهُ
فتصونَهُ وعدا" لهـــــــا بـُذِرا
من الأردن

صديقي باتر
صباح الخير وكل عام وانت بخير
شكرا على هذا المقال، ولكن المطلوب ايضا ان تتحرك مؤسسات المجتمع المدني افضل مما تفعل حتى الان.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من الولايات المتحدة
Yes this is a critical topic.
Naturally, there is some debate on the contributing causes and potential solutions. That is very healthy though and it can lead to sound decisions. However, I am puzzled by the government. It can not have it both ways.
On one hand, the government wants the people to shoulder part of the responsibility, be responsible consumers, reduce expenditures, and even file lawsuits against market monopolies! On the other hand, the government finds every excuse to withhold information and punish those who release information in the name of security, national unity, etc. It also promotes market monopolies through WASTA and restrictions on market entries thus protecting the same market ‘sharks’ the government seems to complain about helplessly.
Perhaps the government should lead the way by persecuting companies or individuals who violate anti-trust laws by monopolizing prices. However, in order to do so the government must have information, such as the study on the true cost of diary products. Brings us back to the role of universities and research….