منذ خمس سنوات تقريبا يرتفع معدل النمو الاقتصادي الذي يتم قياسه من خلال معدل نمو الناتج القومي الإجمالي بشكل متواصل حيث بدأ الارتفاع في عام 2001 بمعدل 3% واستمر سنويا حتى وصل في العام الحالي إلى حوالي 6% كما ذكر رئيس الوزراء قبل شهر تقريبا. وما أخشاه هو أن يرتفع هذا النمو الرقمي سنويا لنصبح بعد سنتين أو ثلاثة من الدول الصناعية الكبرى التي لا تحتاج إلى مساعدات مالية ومنح وقروض ويتم تجاهل الأردن لصالح الدول الأكثر حاجة إلى التنمية! لست خبيرا اقتصاديا ولا أفهم كثيرا لعبة الأرقام هذه، ولكن ما أعرفه من متابعة حالة الاقتصاد العالمي أن نسبة 6% تعني أن الاقتصاد الأردني قد يكون من بين أفضل عشرة اقتصادات في العالم في نسبة النمو، بل أن دولا صناعية كبيرة مثل ألمانيا وفرنسا تجاهد للحفاظ على نسبة 2% بينما تواجه اليابان معدل نمو ثابت لا يتجاوز 1%. ولا أعلم أيضا ماذا تعني هذه النسبة فعليا، فقد تكون نسبة نمو الدخل القومي للأقلية الغنية لأن هذا الرقم لا يعكس التباينات في الدخول والقيمة الشرائية. وربما تكون نسبة النمو هذه مرتبطة بقطاعات غير إنتاجية مثل الخدمات والاتصالات والبنوك والمضاربات المالية وبيع الأراضي والعقارات أو قطاعات يساهم فيها رأس المال الأجنبي أكثر من المحلي ولا توظف نسبة كبيرة من الأردنيين. وقد أوضح الكثير من الاقتصاديين في العالم أن مؤشر النمو هذا مؤشر خادع لأنه لا يأخذ الاقتصاد العائلي والاقتصاد الجزئي كعناصر رئيسية في تقدير النمو الاقتصادي كما أنه لا يتعامل مع مشكلة هدر الموارد الطبيعية غير المتجددة والخسائر الإنتاجية ويعتمد على النمو الرأسمالي للمنتجات المباعة والخدمات المقدمة. وقد أكد جلالة الملك في عدة مرات على مسامع الحكومة مباشرة ضرورة الإسراع في تطوير مخرجات الاقتصاد وأن يبدأ المواطن الأردني بالإحساس بهذا التطور في معيشته ودخله وحياته اليومية، ولكن هذه المعادلة لا زالت عصية على الترجمة إلى واقع بالرغم من كل الوصفات الاقتصادية والوعود والمؤشرات الرقمية والنسب المئوية التي نقرأها. سدنة الاقتصاد الليبرالي الرأسمالي في الأردن يتدخلون دائما لتقديم تفسير مربك للتناقض بين نمو الاقتصاد الكلي وصعوبة ايجاد لقمة الخبز من قبل معظم العائلات الأردنية، والتفسير هو أن الحق على المواطن! فإذا كان الاقتصاد الكلي ( الماكرو ايكونومي) ينمو بمعدل 7% تقريبا فهذا يعني أن السياسات الحكومية- أي سياسات صندوق النقد الدولي- صحيحة وفعالة، ولكن عندما يتراجع الاقتصاد الفردي أو الجزئي ( المايكرو ايكونومي) فهذا يعني سوء إدارة وتوظيف النجاح الذي تحققه السياسات الحكومية من قبل المواطنين أو الشركات والمشاريع الصغيرة. وفي مقابل هذا التراجع الاقتصادي في أحوال المعيشة نرى أن المشاريع الاقتصادية التي يتم التحدث عنها وترويجها هي في الأصل مشاريع استثمارية خدماتية لا انتاجية، وحتى في قطاع تكنولوجيا المعلومات الذي يتحدث عنه الجميع فإن ما يحدث حقيقة هو فقط تطوير قطاع خدماتي يقوم ببيع الأجهزة والتوصيلات الإلكترونية بدون مساهمة حقيقية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو في إنتاج برمجيات محلية تمتلك حقوق الملكية الفكرية التي يطاردنا بها مكتب مايكروسوفت في الأردن. وعلى الرغم من التشجيع النظري للمشاريع الصغيرة من قبل الحكومة ممثلة بوزارة التخطيط وغيرها فأن المناخ الاقتصادي العام يساعد حيتان السوق في ابتلاع أي مغامر جديد. ومعظم حيتان السوق ليست في الواقع إلا تحالفا بين البورجوازية المالية والبيروقراطية الرسمية ومرتبطة بوكالات الشركات والمؤسسات الأجنبية، وبين فكي هذه الكماشة يحتار المواطن الأردني في كسب عيشه وتوفير قوت يومه. لست خبيرا اقتصاديا لأقدم تحليلا تقفز منه الأرقام الإحصائية ولكن ما فائدة مؤشرات النمو الاقتصادي الكلي إذا كانت لا تنعكس ايجابيا على معيشة المواطن، وما فائدة زيادة معدل الدخل الفردي إذا كانت تعني تضاعف دخول الأغنياء وحيتان السوق عشرين ضعفا مقابل تراجع مداخيل الطبقة المتوسطة والفقيرة؟ هذه معادلة ستبقى مطروحة أمام اصحاب القرار الاقتصادي في البلاد، حتى لو وصل معدل النمو إلى 10% بعد ثلاث سنوات كما يسير الخط التصاعدي!!
الثلاثاء, 23 يناير, 2007
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













