مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

المزاج الشعبي والسياسي الأردني وخطر الإنزلاق نحو التعصب ضد الشيعة

مثل سيارة تندفع بسرعة نحو اتجاه واحد وبتسارع متزايد يبدو المزاج الشعبي والسياسي الأردني منذ إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين ينحو تجاه التعبير عن غضب متنام من التأثير المتزايد للفكر المذهبي الشيعي في العراق. ومن الواضح أن الملابسات التي رافقت إعدام الرئيس السابق والتي تميزت بصبغة مذهبية سيئة حكمت على خيارات الشارع الأردني وحتى القوى السياسية نحو تزايد الغضب على إيران، وشهدت المظاهرات التي خرجت للاعتراض على الإعدام وإبداء التقدير للرئيس العراقي السابق انتقادات شديدة لإيران ومطالبة بإغلاق السفارة الإيرانية وقطع العلاقات معها.

 

استمر هذا الحال في ظهور مصطلحات "الطائفية المذهبية" في تعابير شخصيات سياسية هامة، حيث وصف بيان مجلس النواب العراق بالدولة الصفوية واتهم "الصفويين" بإعدام الرئيس العراقي، وكان قد سبق ذلك استخدام نفس المصطلح من قبل نقيب المحامين في مظاهرة الاعتراض على الإعدام ليكون أول مؤشر على انتقال المصطلحات المستخدمة في التباين المذهبي من المشاعر الشعبية المقتصرة على المساجد والتجمعات الدينية إلى المزاج السياسي المعارض الرئيسي.

  

والمفارقة أن تيارا سياسيا أردنيا واحدا أبدى في بيان له تخوفه من استخدام واستحضار مصطلحات الفرز المذهبي وهو حزب اليسار الديمقراطي والذي طالب بالتركيز على المشكلة الرئيسية وهي الاحتلال الأميركي ولكن البيان انتقد السياسة الإيرانية بنفس الوقت الذي طالب بعدم استخدام الرموز المذهبية.

في الواقع من المهم أن "نأخذ نفسا" الآن في تقييم هذا المزاج الشعبي السائد ونرى هل من مصلحة الأردن الإنجرار وراء هذا الخطاب الطائفي؟

 

في البداية لا بد من وضع الأمور في نصابها. السياسة الإيرانية الحالية في المنطقة معادية للمصالح العربية وهي تساهم في إحداث شرخ طائفي ومذهبي خطير في العالم الإسلامي. اصدقاء إيران- حتى لا نقول عملاؤها- في العراق يقومون بتصفيات جسدية متوحشة للعرب السنة وينفذون مخططات للتهجير وخاصة في بغداد، وهناك الكثير من البيانات والرسائل المنسوبة إلى تنظيمات شيعية مسيطرة على القرار السياسي مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري وبشكل أقل حزب الدعوة تدعو إلى حرب إبادة وتهجير واضحة ضد السنة. 

 

هل تكون مواجهة الخطاب الشيعي المشبع بالطائفية والمدعوم إيرانيا من خلال خطاب متعصب آخر؟ ربما يعتقد البعض أن التطرف يجب أن يواجه التطرف وأن الطريقة الوحيدة لمنع ومواجهة تنظيمات مسلحة متعصبة في شوارع بغداد هي في تأسيس ودعم تنظيمات سنية تحمل السلاح حتى لو كان من ضمنها تنظيم القاعدة، وهو من المسؤولين الرئيسيين عن انتشار الصراع الطائفي في العراق منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق. وفي المقابل ترى بعض التيارات والدول أن مواجهة التنظيمات الشيعية في العراق لا تكتمل إلا بمواجهة سياسية ومقاطعة لإيران.

 

خيار مواجهة إيران سياسيا يبدو مناسبا في حال كان خاليا من المضمون الطائفي وخاليا من لعب دور في تصفية الحسابات الأميركية معها. علينا أن نتذكر أن إيران لم تكن دائما مصدرا للتعصب الطائفي، فقد كان في طهران رجل حكيم هو الرئيس السابق محمد خاتمي وتمكن من تحسين العلاقات مع العالم العربي وأوقف مد التعصب الطائفي الفارسي لمدة طويلة ولكن مشروعه الإصلاحي سقط بسبب قوة التيار المحافظ في إيران وعدم دعم العالم الخارجي له، بل أن الكثير من التيارات القومية والإسلامية في العالم العربي رحبت بسقوط مشروع خاتمي وصعود الرئيس نجاد وذلك على اصوات طبول مناهضة فكرة الهولوكوست ضد اليهود مع دعم الهولوكوست ضد العرب السنة في العراق.

 

لكن إيران الدولة الإسلامية العريقة ليست ملكا للمحافظين ولا لدعاة التعصب وتصدير الثورة ولا لجماعات بدر والصدر في العراق، ومن الخطأ أن نحول خلافنا السياسي معها والذي سببه الرئيسي الرغبة في السيطرة على العراق والامتداد الإقليمي إلى مسألة طائفية. من الممكن بل من الضروري تنظيم مواجهة عربية ضد المشروع السياسي الإيراني الحالي ولكن من الخطورة الدعوة إلى مواجهة سنية-شيعية.

 

في زمن العنف وتزايد مشاعر الغضب من الصعب ايجاد فرص التسامح والحوار، ولكن التزامنا بوحدة الإسلام والمسلمين يضع على عاتقنا أن نحاول البحث عن مخرج ديني وسياسي يمنع التدهور نحو الاستقطاب المذهبي. أعيد التأكيد على صحة البيان اليساري الأردني الذي ابدى حرصة على وحدة الإسلام والمسلمين أكثر من بيانات وتصريحات أحزاب وقادة محسوبين على التيار الإسلامي وقعوا في فخ طغيان الغضب والالتجاء إلى الخطاب الطائفي.

ليست المبادئ فقط هي التي تحكم هذه الآراء بل المصلحة البراجماتية. ربما لن يعجب الكثيرين الاعتراف بحقيقة أن العراق قد شهد تحولا جذريا في الحكم بحيث من الصعب استعادة نظام حكم سني مثل الذي كان سائدا منذ عهود طويلة. وفي المقابل فإن العراق سيكون في خطر شديد لو بقي في قبضة تنظيمات شيعية متطرفة تريد أن تثأر من نظام البعث وتحميل السنة مسؤولية سلوكيات هذا النظام بل وايضا استحضار مفردات صفين والجمل. مصلحة العراق هي في نظام وطني علماني يحتفظ بطريقة "الرؤساء الثلاثة" الممثلين للطوائف والمذاهب المختلفة ولكن ليس من منطلقات ضيقة متعصبة بل وطنية عروبية.

 

 من مصلحة العرب دعم ظهور تيار سياسي عراقي شيعي يؤمن بالعروبة والوطن العراقي الموحد والابتعاد عن الطائفية والتعصب، ولا يمكن لمثل هذا التيار الوطني العراقي الشيعي أن يظهر بدون دعم ومساندة عربية، وقد اثبتت التجربة في لبنان خروج المسيحيين من قبضة التنظيمات الإنعزالية المتطرفة إلى فضاء عروبي واسع ولكن من المهم أن لا يدفع العراق ثمنا باهظا مثل الذي حدث في لبنان.

 

نحن في الأردن، وكما أكد رئيس التحرير د. نبيل الشريف في مقالته قبل يومين لدينا مقومات تطوير برنامج مصالحة ووحدة إسلامية وليس الدعوة إلى برنامج تفرقة، وهذا الوطن الأردني الذي بقي محميا من التعصب الديني والطائفي قادر على استثمار مكانته العربية والإسلامية في منع انتشار نار الطائفية في هشيم وطن عراقي يستحق النمو والوحدة والإزدهار وبحاجة إلى نظام سياسي للجميع وليس لطائفة واحدة.

 

اليقظة الأمنية في الأردن مهمة بل ضرورية للحفاظ على الأمن من مخططات العابثين، والمواجهة السياسية العربية مع إيران يمكن المضي فيها لو كانت بأولويات عربية واضحة ولكن دعونا نتوقف عن استخدام الخطاب الطائفي لأن مصلحة الجميع تتطلب ذلك.   

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 يناير, 2007 12:49 م , من قبل Yousef

كلام عقلاء.


اضيف في 12 يناير, 2007 12:55 م , من قبل thefreephoenix
من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة

Batir
I feel that you have done a great approach. Yes unfortunately the Jordanian people are driving towards this direction without any brakes and I think that generalising would jeoprodise the security of Jordan. What I fear is that loads of Iraqis who live in Amman and other governorates are Shiites and some hot blooded people may decide to take any physical action against them particularly as it is apparent to all of us that the majority of Shiite Iraqis are happy with the execution of former Iraqi President Saddam Hussein.
I think that we need to stand at an equal distance from everyone. At the end of the day it is up to the Iraqis to choose their leaders and ending the relations with Iran will only cause more disturbance. Wise article and please keep writing to calm people down. AT the end there is no difference between Sunnis and Shiites. We are all muslims. Thanks


اضيف في 12 يناير, 2007 03:35 م , من قبل OmAr
من الأردن

Brilliant Batir, I addressed the same exact topic a few days ago in a post and I agree with almost everything you've said. Nevertheless, you have to agree that the Jordanian official stream is fueling the problem from day zero; as part of the alliance with the US and Israel against Iran, the Jordanian government headed by the king had committed terrible sectarianist mistakes, two obvious examples are the King's historical speech about the Shiite crescent, and the second is the position from Hezbullah. Along with the obvious "official" writers and commentator and their take on the Shiites openly! Al Qallab for example

I believe the next move towards balancing the issue must be initiated by influential Sunni scholars not by politicians and especially not by leftists even if they're right (as they always are!) when it comes to the Jordanian mainstream, nothing can fix that but Friday preachers and Amr Khalid!
Here's link to my post:
http://me-in-jordan.blogspot.com/2007/01/jordanians-and-shiites.html


اضيف في 12 يناير, 2007 05:15 م , من قبل Issa
من الأردن

بصراحة أنا لا أتذكر يوماً كانت فيه للشعب الأردني مشاعر حب واحترام للطائفة الشيعية في إيران أو غيرها، حتى أن الخطاب الديني في الأردن كان وما يزال مليئاً باللوم على الشيعة وذلك باتهامهم جلب الويلات على الأمة وخيانتها وعداوتها، وشتمهم للصحابة (رضوان الله عليهم)، حتى ذهب الكثير من "شيوخنا" إلى تكفيرهم، وهذا أمر معلوم وكثيراً سمعناه على منابر جوامعنا حتى اليوم.
وأما بالنسبة للتيار الإسلامي، كثيراً ما كانوا يمجّدون ويبجّلون "السيد" حسن نصرالله وحزب الله، وهم على حد علمي شيعة، فأستغرب من هذا التغيير المفاجئ للموقف. وما قاله حزب اليسار لا يمكن إنكاره فالمشكلة الرئيسية في العراق هو الاحتلال الأميركي، مع العلم أن هذا الاحتلال هو الذي أشعل الحرب الأهلية في العراق، وذلك عن قصد إذ أن أول عمل قامت به الولايات المتحدة بعد دخولها بغداد كان تفكيك الجيش والأمن العراقي وتعميم الفوضى في البلاد، وهم الذين فتحوا الباب لإيران لتتحكم بالعراق كما تشاء.
لا لخطاب طائفي مذهبي متطرف ليس فيه مصلحة لشعوبنا، ولكن لندعُ إلى توخي الحذر من أي فئة أو دولة تريد المساس بمصالحنا.


اضيف في 12 يناير, 2007 11:53 م , من قبل batir
من الأردن

Yousef; thanks a lot.
Free Phoenix you are right about the potential threat to Shii'tes but I think there will be some security measures for protection. Remember that most of the Iraqis are rich and investing so the government will feel obliged to protect them.
OmAr thank you for the compliemnt. However I do not think there is a programmed tendency against shii'tes from the regime. remember that the King received Muqtada sadr in January 2006 and he met all the leaders of the shii'te groups in Iraq. The position towards Hizbullah was more political than sectarian.
عيسى ما قلته صحيح تماما


اضيف في 14 يناير, 2007 10:03 ص , من قبل 7ala

باتر ...
http://alraynews.com/Blogs.aspx

:)


اضيف في 19 يناير, 2007 10:28 م , من قبل وضحة

المفروض الاردن آخر من يتكلم انتو وش يخصكم في العراق
مهما دافعتو عن صدام مابتحصلو البترول الحين
اهتمو بمشاكلكم الداخلة ووخروا عن العراق


اضيف في 20 يناير, 2007 12:52 م , من قبل batir
من الأردن

الأخت وضحة يا ريت نقدر نوخر عن العراق ولكن صعب جدا لأن الغزو الأميركي وجماعة القاعدة وميايشيات الصدر وحكومة العراقالضعيفة تسببت في هجرة 700 ألف عراقي إلى الأردن كلهم من اصحاب الملايين التي لا نعرف كيف حصلوا عليها ولكنهم رفعوا الأسعار وأصبحت حياتنا كأردنيين صعبة جدا، ولذلك فإن مشكلكم تنتقل إلينا فورا ولا نستطيع أن نوخر عنكم إلا إذا أنتم وخرتم عنا.


اضيف في 02 فبراير, 2007 10:33 ص , من قبل amjad027
من الأردن

حوار سني شيعي هو الأمل الوحيد ويجب فيه ان يتوقف السنة عن اعتبار الشيعة نسخة محرفة عن الاسلام بل هي قراءة موازية لقراءة السنة لها ما لها وعليها ما عليها ففي الوقت الذي قدمت القراءة الشيعية وبشكل تقدمي العقل كمصدر من مصادر التشريع على الاجماع غير المتحقق الا نادرا عند السنة نجدها عادت وحصرت النص المقدس بين أقوال الأئممة المعصومين اللذين تعود أقوالهم لتكتسب صفة شبه مقدسة تقارب النص الاصلي وأمل من الشيعة تجاوز خلاف سياسي ماضي قتل فيه أشرف الصحابة الى حوار مع سنة لم يعيشوا ذلك العصر فيتحملوه وزره...


اضيف في 02 فبراير, 2007 06:41 م , من قبل batir
من الأردن

أمجد أحسنت كلامك صحيح تماما.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني