مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

قانون ضريبة الدخل يراعي العدالة الاجتماعية وقانون "المبيعات" يدمرها

وكأنه يسابق الزمن، يقوم مجلس النواب بإنجاز العديد من القوانين في أوقات قياسية وهذا تطور كبير ومهم من حيث سرعة الإنجاز نتمنى ألا يكون على حساب نوعية النقاش والدقة في المراجعة، خاصة أن هناك قوانين بحاجة ماسة إلى الكثير من المداولات والنقاشات والمقترحات البديلة وتبيان مواطن القوة والخلل فيها. ومن القوانين الهامة جدا التي سوقف تؤثر مباشرة على الوضع الاقتصادي للمواطن الأردني قانون ضريبة الدخل والقانون المعدل لضريبة المبيعات، والغريب أن القانونين المرتبطان مباشرة بسياسة الضرائب في الأردن يتميزان باختلاف كبير في المبادئ وفي طريقة الصياغة حيث يبدو قانون ضريبة الدخل عادلا ومفيدا ومعتمدا على العدالة الاجتماعية والتي ستجعل 90% من الشعب الأردني من الطبقة الوسطى والفقيرة معفيين من ضريبة الدخل، بينما يتضمن القانون المعدل لضريبة المبيعات الكثير من الأبعاد السلبية التي نستغرب تضمينها في القانون وتحتاج إلى الكثير من التأني في النقاش.

 مشروع قانون ضريبة الدخل جاء هذا المرة ليكون رفيقا ورحيما بحوالي 90% من الشعب الأردني الذين يشكلون الطبقة الفقيرة والوسطى من المهنيين والمتعلمين حيث تم إعفاءهم من ضريبة الدخل ، حيث يمنح المشروع اعفاء كاملا للفرد الأعزب الذي يصل راتبه السنوي إلى عشرة آلاف دينار و12 ألف دينار للمتزوج يضاف لها مبلغ ألف دينار للصحة وألف أخرى للتعليم ليصل مجموع الإعفاءات إلى 14 ألف دينار. وإذا كان الزوجان عاملين فيصل الإعفاء إلى 20 ألف دينار سنويا. هذه المعادلة فعلا جيدة، وتتيح للطبقة الفقيرة متنفسا لمحاولة البناء والتطوير للانتقال إلى الطبقة الوسطى بينما تتيح للطبقة الوسطى مزيدا من الاستقرار والحماية من التدهور نحو الطبقة الفقيرة. وقد راعت هذه النسبة الجديدة الكثير من الملاحظات السلبية على مشروع القرار السابق والذي وجد معارضة شديدة في أوساط المجتمع.

وبالرغم من هذه التطورات الإيجابية التي تنسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية بالنسبة لإعفاءات الأفراد فقد أعربت النقابات عن انتقادها للمشروع، وقالت بعض النقابات أنها سوف تبدأ بحملة ضده، وفي هذه الحالة على النقابات أن توضح للمواطن الأردني فيما إذا كانت تدافع عن حق 90% من الشعب الأردني أم تدافع عن نسبة قليلة من كبار الأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة ممن سوف يخضعون للضريبة الجديدة ويتحملون العبء الأكبر المتناسب مع مدى دخولهم السنوية. صحيح أن النقابات تعلن في حملتها أنها تنتقد القانون بسبب فرض ضريبة على صناديق التقاعد النقابية ولكن من المهم أن تكون الحملة واضحة المعالم وأن تعتمد على الأولويات الوطنية العامة. وحدها نقابة المهندسين الزراعيين واتحاد المزارعين ربما تملك موقفا شعبيا يمكن تشجيعه ودعمه لأنها تدافع عن الاستثمارات في القطاع الزراعي والتي وضع عليها القانون نسبة عالية من الضرائب لم تختلف عن مشروع القانون السابق. ولكن من الضروري التوضيح هنا أن المطلوب هو الدفاع عن النشاطات الزراعية الصغيرة والعائلية التي تجد صعوبة كبيرة في المنافسة في الأردن وخارجه نتيجة شح الموارد الطبيعية وضعف التسويق، ولكن من غير المقبول أن يتم استخدام حجة المزارعين الصغار للدفاع عن المستثمرين الكبار في قطاع الزراعة والذين يحققون أرباحا تصديرية هائلة والمطالبة مثلا بإعفاء القطاع الزراعي كاملا من ضريبة الدخل فهذا غير ممكن والبديل المنطقي هو تحديد ضرائب تصاعدية ترتبط بمستوى الربح المتحقق من الزراعة لحماية المزارع العائلي الصغير وضمان مساهمة المستثمر الزراعي الكبير في تنفيذ مسؤولياته تجاه الأرض الأردنية وأهمها دفع ضريبة الدخل. القانون الحالي يضع ضريبة على من يتجاوز دخله 100 ألف دينار وأعتقد جازما أن هذه الأرباح لا يتمتع بها إلا المستثمرون الكبار في القطاع الزراعي وليس المزارعين الصغار وإذا لم تكن لدى اتحاد المزارعين نسبة حسابية أخرى يمكن أن تقنعنا بها أن القانون سيصيب المزارعين بالضرر فإنني لا أجد شخصيا مشكلة في فرض ضريبة على من تتجاوز أرباحه 100 ألف دينار سواء كان يعمل في الزراعة أو في بيع الفلافل والعرايس.

المشكلة الحقيقية والكبرى هي في مشروع القانون المعدل لضريبة المبيعات، والواقع أنني لا أستطيع أبدا أن أفهم العقلية والنظرية التي كانت وراء هذا القانون، وأتمنى ممن يملك العلم الاقتصادي أن يشرح لنا سبب زيادة ضريبة المبيعات على الإسمنت والاتصالات الثابتة والتحول إلى الغاز وذلك بناء على التحليل التالي.

شركة الإسمنت تحقق أرباحا طائلة، وهي قد بدأت بالتفكير بطرح إسمنت خاص لإعمال التشطيبات نعرف جميعا وبدون أية حاجة لذكاء عالي أن معظم المقاولين سوف يستخدمونه للأساسات لتقليص التكاليف، ومن المتوقع في المستقبل فتح قطاع الإسمنت للتنافسية وهناك حركة بناء كبيرة في الأردن يقابلها زيادة هائلة في أسعار الشقق فلماذا يتم زيادة ضريبة المبيعات على الإسمنت والتي ستؤدي إلى تفضيل المقاولين استخدام الإسمنت الخاص بالتشطيبات وكذلك وضع أعباء مالية إضافية على من  يتجرأ على شراء شقة بحجة ضريبة المبيعات.

أما ضريبة المبيعات على الاتصالات الثابتة والتي سترتفع من 4% حاليا إلى 16% فهي تناقض كل تنظير الحكومة حول دعم مجتمع المعرفة في الأردن. هذه الزيادة في ضريبة الاتصالات الثابتة ستكون تشجيعا لقطاع الاتصالات الخلوية الذي يحقق أرباحا طائلة بدون الحاجة إلى هذه الحوافز، وسوف يؤدي إلى زيادة تكاليف الهاتف في المؤسسات الرسمية والأكاديمية والتعليمية والصحية وغيرها من مؤسسات القطاع العام التي تعتمد على الاتصالات الثابتة، والأدهى من ذلك أنها سوف تسبب بتقليص نمو قطاع الإنترنت وخدمات ADSL وبخاصة المنزلية منها بسبب ارتفاع الفواتير.

أما البند الذي جعلني أخبط رأسي في الحائط فورا فهو قرار فرض ضريبة مبيعات على التحول من المشتقات النفطية إلى الغاز الطبيعي في الشركات والمصانع. أي منطق أعوج هذا وأي خبير اقتصادي بائس اقترح هذه الفكرة؟ في كل دول العالم التي تخطط بطريقة منطقية تقوم الحكومة بتزويد حوافز للتحول من مصدر طاقة لآخر بديل خاصة عندما يكون التحول من مصدر طاقة ملوث (المشتقات النفطية) إلى مصدر طاقة نظيف (الغاز الطبيعي) وذلك دعما للشركات والمصانع التي تقوم بهذا التحول خاصة مع وجود كلفة رأسمالية لتطوير البنية التحتية لهذا التحول. لقد شعرنا بالكثير من الارتياح مع بدء الأردن عملية النقل التدريجي من النفط إلى الغاز وذلك بسبب ارتفاع تكلفة أسعار النفط المستوردة ووجود الغاز كمصدر طاقة طبيعي ونظيف وغير ملوث ووجود مصدر عربي منظم لنقل الغاز إلى الأردن خاصة مع إبداء كل الشركات الكبرى استعدادها للتحول إلى خيار الغاز الطبيعي وكذلك التوجه نحو التحول التدريجي للسيارات فلماذا يتم زيادة العبء على هذه المبادرات الرائدة بفرض ضريبة مبيعات على هذا التحول؟ بالفعل أنه منطق أعجز تماما عن فهمه وربما يكون لأولى الحكمة الاقتصادية في الحكومة تفسيرات أخرى!

هناك حالة تناقض ما بين قانونين للضريبة أحدهما أظهر الكثير من الحرص على المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية والآخر ضرب كل هذه المفاهيم بعرض الحائط، ونتمنى أن يقوم مجلس النواب الموقر بدراسة عميقة وعلمية لقانون ضريبة المبيعات بالذات لأن فيه الكثير من القضايا المثيرة للقلق.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 25 اغسطس, 2006 11:52 م , من قبل Abu Shreek
من الولايات المتحدة

Batir,
I think the parliment in its current format does not represent the people as much it represent an incompetent pathetic puppet


اضيف في 26 اغسطس, 2006 05:04 م , من قبل عادل
من الأردن

أيضا هناك بنود تخفيض نسبة الضريبة للبنوك (لأنو يا حرام مش عم تربح!) و في المقابل رفع نسبة الضريبة على القطاع الصناعي (اللي ماكل هوا بدون اشي)..!




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني