إبنتي سوزان والتي تبلغ من العمر خمس سنوات ونصف تمر الآن في مرحلة "معارضة صاخبة" لا مسؤولة للسياسات التي يتم صياغتها في المنزل، وهي تشكك بجدوى ومصداقية كل القرارات التي يتم إتخاذها في الشؤون العامة وتطالب بأن يكون لها دور مساو لدور الحكومة المكونة مني ومن والدتها (وزارة الخارجية والداخلية) في عملية اتخاذ القرار وبطريقة تشاركية وشفافة وديمقراطية. طريقة مواجهتي لتمرد سوزان كانت مماثلة لأية حكومة عربية نموذجية، حيث يتم الاستعانة بقانون محكمة أمن المنزل للسيطرة على معارضة سوزان من خلال اتهامها بإطالة اللسان والسلوك غير المسؤول وتهديد المصالح العامة. وبالتالي يتم الاستعانة أيضا بقانون العقوبات المؤقت الذي لم يمر في مراحله الدستورية لتحديد العقوبة المناسبة لسوزان والتي تتراوح ما بين الحرمان من الحقوق الترفيهية أو العقاب بتقييد الحرية. ولكن في يوم الأربعاء الماضي عدت من البحر الميت إلى المنزل لأبشر سوزان بخبر جيد. في ملتقى كلنا الأردن أشار دولة رئيس الوزراء في معرض شرحه لاستراتيجية الحكومة في الأمن الوطني إلى أن التنمية السياسية في الأردن ستمر في مرحلتين أولهما تقوية دور المؤسسات الديمقراطية الشعبية والثانية تحقيق التنمية السياسية من خلال قيام الأحزاب الوطنية بتشكيل الحكومات بطريقة ديمقراطية، وأشار دولة الرئيس إلى أن هذه المرحلة الثانية في تحقيق التنمية السياسية سوف تتطلب مرور فترة 20-30 سنة تقريبا! إذا لا تنمية سياسية في عهدي أنا، والأب الذي يسيطر على اتخاذ القرار في المنزل لا يستطيع أن يكون له دور في اختيار الحكومة التي تقود القرار الأردني ولهذا فإننا ننقل التجربة الأبوية المسيطرة من الحكومة إلى المنزل. ولكنني بشرت سوزان بأنها سوف تستطيع بعد 20 سنة أن تمارس حقوقا لا أستطيع لا أنا ولا والدتها ممارستها. يمكن أن تكون سوزان عضوا في حزب سياسي، وتتمكن من المشاركة في تطوير برامج للوصول إلى الحكم والمشاركة في مظاهرات ومسيرات وتختار بالتالي الحكومة التي تريدها أو تساهم في إسقاط الحكومة التي لا تحقق ما هو المطلوب منها. على سوزان إذا أن تحتمل القرارات السلطوية الفوقية في المنزل، لأنها مبشرة بوعد نتمنى أن يكون صادقا مفعولا في أن تساهم في القرار الديمقراطي الوطني في مسيرة التنمية السياسية في الأردن، وقد شرحت لسوزان ما حدث في ملتقى كلنا الأردن والأسلوب التشاركي في النقاش وخاصة في جلسة حقوق الإنسان التي شاركت بها. ولكنني اكتشفت أنني ورطت نفسي لأن سوزان تطالبني الآن بكافة حقوق الطفل التي نصت عليها منظومة حقوق الإنسان الدولية مع أنني أكدت لها أن الحكومة قد "تحفظت" على الكثير من مواد حقوق الطفل والإنسان. وبعد نقاش طويل حول سوء الفهم في تفسير كلمة "تحفظت" بيني وبين سوزان طالبتني بأن أمارس حقوق الطفل كما أطالب الحكومة بها حتى لا أكون متهما بإزدواجية المعايير. أنا في موقف صعب، فالحكومة تقول بأننا كشعب لم نكبر بعد للحصول على حقوقنا الديمقراطية الكاملة، ولكننا نؤمن بأننا كبرنا، وأطفالنا يطالبوننا بحقوقهم ونحن نحاول قمعها مثل الحكومة، ولكننا نعرف بأن أطفالنا قد يعيشوا هذه الحقوق يوما وبحاجة إلى أن يتعلموا كيف يطالبون بها. في نهاية الأمر أتمنى أن تحصل سوزان على حقوقها الديمقراطية بعد 20 سنة وأن لا تضطر لمشاهدة مؤتمر وطني آخر لصياغة خطة عمل إصلاحية جديدة يعيد إنتاج كل هذه الكميات من التوصيات والتنظير!
السبت, 29 يوليو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












