حسنا فعل مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية إذ خرج من الإطار المعتاد لاستطلاعات الرأي حول شعبية الحكومات وبدأ في تقديم استطلاعات علمية واستثمار خبراته في تحديد توجهات الرأي العام في قضايا أكثر أهمية من شعبية الحكومة، وبالتالي كان الاستطلاع الأخير حول الإرهاب والزرقاوي خطوة هامة في مراجعة توجهات الرأي العام الأردني تجاه هذه القضية. ولا شك أن تنفيذ الاستطلاع في مرحلة تميزت بمزاج شعبي عاصف بسبب العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة وحادثة اغتصاب الفتاة العراقية وقتلها مع عائلتها من قبل جنود أميركيين إضافة إلى تزايد بشاعة عمليات القتل الطائفي في العراق والتي يتعرض لها السنة، ساهمت كلها في نتائج عكست مزاجا شعبيا متوترا. السؤال الأهم في اي استطلاع في إطار الإرهاب والزرقاوي هو دائما عن نسبة المتعاطفين مع تنظيم القاعدة ومع الزرقاوي في الأردن، وبالتالي فإننا سنقفز فورا لهذا السؤال لأنه يمثل المدخل الأساسي لفهم وتحليل النتائج العامة. هل الزرقاوي إرهابي؟ هناك فقط 54% من الأردنيين في الاستطلاع يؤكدون أن منظمة القاعدة في بلاد الرافدين إرهابية أما بالنسبة لبقية المستجيبين فالخيارات مختلفة. هذا يشكل تراجعا ملموسا عن نسبة 74% التي كانت تعتقد أن الزرقاوي إرهابي في استطلاع مستقل جرى في كانون الأول 2005 غداة تفجيرات عمان، فهل يمكن القول بأن الزرقاوي استعاد بعضا من شعبيته في الأردن؟ هناك 24% لا يستطيعون تحديد جواب فيما إذا كانت منظمة القاعدة في بلاد الرافدين إرهابية، وأعتقد جازما بأن حوالي 15% من هؤلاء لم يستجيبوا لأسباب لها علاقة بثقافة التخوف، وربما كانوا في قرارة أنفسهم سيجيبون أنها منظمة مقاومة مشروعة لتضاف إلى 13% كانت لهم الجرأة والوضوح في هذه الإجابة. وهذا يعني في الواقع أن هناك نسبة قد تصل إلى 25% من الأردنيين تعتقد بأن لم يكن إرهابيا بل قائد منظمة مقاومة. الرقم نفسه يظهر بطريقة أخرى في جواب حول سؤال يتعلق بالمشاعر التي أصابت الناس عقب سماعهم خبر مقتل الزرقاوي، حيث أجاب 30% بأنهم أحسوا بمشاعر سلبية ومنها الحزن والغضب والإحباط. استطلاع المركز كان ذكيا في التوجه فورا نحو الأسباب الجذرية لهذه المشاعر حيث افاد 38% من الذين أجابوا بأنهم شعروا بمشاعر سلبية (اي 38% من عينة 30% التي أجابت بالمشاعر السلبية وليس كل المستطلعين) أن الزرقاوي كان مجاهدا وشهيدا (تفسيرات محمد ابو فارس) بينما أجاب 26% بأنه مسلم وعربي وأردني (مشاعر ذات بعد ديني ووطني) وقال 25% بأنه كان يقاتل أميركا، اي أن اي شخص أو تنظيم يقاتل أميركا يحصل فورا على "شهادة شهادة" بغض النظر عن نوعية العمليات التي يقوم بها حتى ضد المسلمين. هذه نتائج مهمة، لأن صانع القرار السياسي الأردني يواجه معضلة حقيقية في كيفية التعامل مع هذه النسبة من الأردنيين (حوالي 25%) التي تحمل تعاطفا وقبولا عاما للفكر الذي تعمل بموجبه تنظيمات القاعدة، والقضية المهمة هي معرفة اسباب هذا القبول. هل هو تطرف ديني مسبق، أم هو رد فعل على عوامل خارجية؟ هنا يكمن السؤال الأكبر الذي يحدد طريقة تعامل الدولة مع هؤلاء الأشخاص. هناك ديناميكية داخلية في هذه النسبة من المعجبين أو المؤيدين لتنظيم القاعدة، فهي تتزايد وتتراجع بحكم ظروف الواقع السياسي فقد تراجعت نسبة التأييد كثيرا بعد تفجيرات عمان الإرهابية ولكنها ارتفعت في الأشهر الماضية ضمن ظروف عدة قد يكون منها تراجع تأثير "ذاكرة التفجيرات" في عمان وإحلال صور جديدة مكانها وهي المجازر الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومجازر الجيش الأميركي والميليشيات الطائفية في العراق ضد العرب السنة، وكل هذه التحولات حكمت رؤية هذه النسبة التي يبدو أنها لا تبني آرائها وفق تطرف وتزمت ديني مسبق بقدر ما هي استجابة للضغوطات السياسية والجرائم الأميركية والإسرائيلية. في الأسئلة الخاصة بزيارة النواب الأربعة إلى بيت عزاء الزرقاوي، يمكن للحكومة الارتياح بأنها تتخذ موقفا يمثل 65% من الرأي العام (العينة الوطنية) التي قالت بأن هذه الزيارة مرفوضة سياسيا، وهذه النسبة في دول ديمقراطية مثل أوروبا يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات مصيرية، بالطبع الحكومة لم تهتم للرأي العام في اعتقال النواب لكن على الأقل يمكن الساتفادة من هذه النسبة. وفي المقابل يقول 15% بأن الزيارة مقبولة سياسيا بينما يذكر 16% بأنهم لا يعرفون، وبنفس التحليل السابق فإن معظم "الذين لا يعرفون" هم في الواقع متخوفون من إعلان جواب صريح، ولهذا نعتقد بأن نسبة 25% تظهر مرة ثانية في رأي الناس الذين يعتقدون بأن الزيارة مقبولة سياسيا. المشكلة هنا هي في التفرقة بين ما هو "مقبول سياسيا" وما هو مقبول اجتماعيا ودينيا حيث تحظى الزيارة بقبول اجتماعي وديني أعلى، حيث يعتقد 45% أن الزيارة مقبولة دينيا ويقول 38% أن الزيارة مقبولة اجتماعيا، ولكن ليس واضحا كيف يمكن للنواب الأربعة التمييز ما بين دورهم السياسي كنواب وأعضاء في جبهة العمل الإسلامي وبين دورهم الاجتماعي والديني، وهل زيارة بيت عزاء الزرقاوي مماثلة لزيارة بيت عزاء الجار "ابو محمد" الرجل الطيب الذي كان يلتقى على محبته كل الناس في الحارة؟ وعلى كل حال هناك إنقسام واضح في تبرير الزيارة إذ يقول 46% بأن الزيارة غير مبررة ولكن هناك 32% يقولون بأنها مبررة بينما لم يحدد 17% رأيا، ولا داعي لإعادة تفسير ما نعتقده سببا في عدم المعرفة. من الواضح أن الأردن يجب أن يتعامل بدقة وحساسية وذكاء مع حقيقة وجود 25% على الأقل من الرأي العام الأردني متعاطف مع القاعدة، ولا بد من اتخاذ خطوات ذكية ومدروسة لمعرفة الأسباب الجذرية لهذا التعاطف لتقليل هذه النسبة والتي يجب أن نعترف بأنها غير مقبولة في مجتمع يفترض به أن يعرف الحد الفاصل ما بين المقاومة المشروعة والإرهاب المرفوض.
الخميس, 13 يوليو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












