مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

صفقتان بمليار دينار في يومين... ماذا استفاد الاقتصاد الوطني؟

أرقام فلكية ومهولة تابعناها في اليومين السابقين حول صفقات هائلة في قطاع الاتصالات. شركة أمنية للهواتف الخلوية والتي حصلت على ترخيص تشغيل شبكة ثالثة للهواتف الخلوية قبل سنة بمبلغ 20 مليون دينار قامت ببيع الشركة وموجوداتها وممتلكاتها لشركة بتلكو البحرين بمبلغ 415 دينار وهي بالتالي أكبر وأسرع صفقة ربح اقتصادي تحدث في الأردن وتمثل "إنجازا ذكيا" وسريعا لأصحاب الشركة الذين حققوا الملايين في سنة واحدة، اللهم زد وبارك.

 

الحكومة يبدو أنها فوجئت بما حدث، ولم تعرف به إلا من الصحف وهذا عذر اسوأ من ذنب. فكيف تكون الحكومة على علم بكل صغيرة وكبيرة في البلد وبكل تصريح ومقال وزيارة ذات بعد سياسي وحزبي بينما تجهل وجود صفقة بهذا الحجم، وهل من مبادئ الاقتصاد الحر ونظام جلب الاستثمارات في الأردن أن يتم إعطاء تراخيص بقيم رمزية من أجل تشجيع الاستثمار ومن ثم السيطرة على سوق كبيرة وبيع الإستثمار بأضعاف مبلغ الشراء، وما الذي يستفيد منه الاقتصاد الأردني في هذا السياق خاصة مع عدم وجود اية ضرائب على شركة أمنية وموجوداتها؟

 

وما أن بدأنا نستوعب حجم هذه الصفقة، ونتخيل كيف كان يمكن للفارق في الاستثمار أن يحدث من تنمية في القرى والأرياف ومكافحة الفقر في الأردن لو تم تخصيص بعض هذا المبلغ للخزينة الوطنية حتى سمعنا أن حكومتنا قد باعت حصتها في شركة الاتصالات التي تسير في طريق الربح الكبير بمبلغ 515 مليون دينار، بما يجعل شركة فرانس تيليكوم صاحبة 51% من مجموع الأسهم. بالطبع عملية البيع هذه مثل كل عمليات الخصخصة السابقة للمؤسسات العامة تمت بدون شفافية ولا مشاورات عامة ولا تبادل للآراء وبقيت محصورة بين هيئة التخاصية والجهات التي تمت استشارتها لقيادة وتسيير عملية الخصخصة واجتذاب العروض من الشركات الخليجية والتفاوض مع فرانس تيليكوم.

 

لم تخبر الحكومة الناس ابدا لماذا قررت بيع حصتها في أكبر شركة عامة في الأردن تحقق أرباحا خيالية ومن المتوقع أن تحقق المزيد من الأرباح في السنوات الثلاث القادمة خاصة مع انتهاء الاستثمار في البنية التحتية والألياف الضوئية حيث لم يبق الآن إلا جني الأرباح. لماذا تبيع الحكومة هذه الحصة الاستراتيجية بشكل متسرع وما هو العامل الضاغط لاتخاذ القرار ولماذا تم اختيار سعر سهم اقل من المطروح في سوق عمان المالي والذي يصل إلى 7 دنانير؟

 

الكثير من التساؤلات لم يتم طرحها في عملية الخصخصة هذه. الحكومة قد حصلت فعليا على حوالي 400 مليون دينار كأرباح وضرائب من شركة الاتصالات ما بين العامين 2000 و 2005 وهذه المبالغ سوف تستمر وربما تزيد أيضا في حال حافظت الحكومة على حصتها. كما أن الأهداف الرئيسية للخصخصة مثل تطوير الأداء وتوسعة ملكية الشركة ونقل التكنولوجيا قد حققت أغراضها بنجاح فلماذا يتم التوجه نحو التخلي عن مصدر مستمر ومباشر للربح في شركة ناجحة وإستراتيجية للأردن؟

 

والأهم من ذلك أن الحكومة لا تخبرنا أيضا كيف سيتم إنفاق هذه الأموال. ما ذكره خبر وكالة الأنباء الأردنية هو أن المبلغ سوف يساهم في تخفيض المديونية الخارجية وزيادة الاحتياطات من العملات الأجنبية، ولكن لا يوجد اي ذكر لمشاريع وبرامج تنموية مثل مشروع الديسي يمكن أن تستفيد من هذه الأموال، ومن هي الجهة المعنية بمتابعة أوجه الصرف والإنفاق؟

 

يمكن القولبأن هناك ثلاث وسائل ممكنة لاستثمار المبلغ الذي سوف جنته الحكومة أولها إضاعة المبلغ في تغطية الإنفاق الرأسمالي المتضخم للقطاع العام، وثانيهما المغامرة بإنشاء مشاريع وبرامج إنتاجية لمحاربة الفقر والبطالة على أمل الحصول على نتائج سريعة وايجابية تحدث تغيرا واضحا في نوعية حياة المواطنين، وثالث الخيارات هو المساهمة في شراء الدين الخارجي. ولكل واحد من هذه الخيارات فوائده ومضاره، وسيحتاج الأمر، لو افترضنا الشفافية الاقتصادية إلى حوار وطني عالي المستوى، سواء في مجلس النواب أو الأعيان أو في وسائل الإعلام والمنتديات الاقتصادية لاختيار الطريق الأمثل فهذه الأموال ليست فقط نتائج صفقة اقتصادية قامت بها الحكومة بل هي ملكية عامة للشعب الأردني ويجب أن يتم إنفاقها بالطريقة التي تحقق تنمية اقتصادية واجتماعية تنصب في جهود مكافحة الفقر والبطالة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية أو التخلص من نسبة عالية من الدين الخارجي.

 

من المؤسف أن تبيع الحكومة حصتها بسرعة في أكبر شركة عامة رابحة في الأردن وفي قطاع مثل "البيضة التي تكسب ذهبا" يزداد معدل أرباحه بشكل كبير سنويا، ومن المؤسف ايضا أن لا يتم استثمار الأموال في مشاريع تنموية إنتاجية يتم تطويرها بمشاركة عامة من المختصين بالشأن التنموي والاقتصادي.

 

ولكن من المؤسف أكثر أن تحقق مجموعة نعترف لها بالذكاء من رجال الأعمال ربحا صافيا مقداره 300 مليون دينار تقريبا خلال عام واحد معفاة من ضريبة المبيعات وضريبة الدخل بعد شراء رخصة بقيمة هزيلة وبطريقة يجب إعادة النظر فيها تماما وبيعها بمبلغ هائل، وبدون أن يستفيد الاقتصاد الوطني قرشا واحدا من هذه الصفقة والتي لم تتردد الشركة البحرينية في وضع 415 مليون دينار فيها مقابل رخصة باعتها الحكومة بمبلغ 20 مليون دينار فقط قبل سنة وباسلوب البيع المباشر بدون طرحها في المزاد العلني.  

 

إذا لم تكن هاتان "الصفقتان" الموجعتان في رأس الاقتصاد الوطني سبيلا لإعادة النظر بكل سياسات الخصخصة في الأردن فلا أعلم ما هو السبيل إلى ايقاف هذا المسلسل من ابتلاع الأرباح الهائلة بدون تقديم اي فائدة حقيقية للتنمية الوطنية وأولويات مكافحة الفقر والبطالة في الأردن.

 

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(11) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني