مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

مقال مهم: بطاقة اعتذار للعراقيين عن تمجيد الزرقاوي من خالد الحروب

د. خالد الحروب مثقف وباحث فلسطيني معروف يقيم في لندن ويعمل في جامعة كمبردج وهو مقدم برنامج "الكتاب خير جليس" في قناة الجزيرة وهو أحد البرامج القليلة في قناة الجزيرة التي لا تحمل سموما فكرية، وهو مثقف من خلفية إسلامية ولكنه منسجم مع قيم الإنسانية والإسلام والحضارة ولا يجامل ولا يهادن في قضايا الإرهاب ولا يقوم بدور انتهازي مثل بعض المثقفين الإسلاميين الذين لا يتجرؤوا على رفض الإرهاب علنا. وقد كتب مقالة أكثر من رائعة نشرتها صحيفة الدستور مؤخرا، وها هو نصها الكامل لجميع من اصابهم التطرف والتعصب ومنعهم من رؤية حقيقة الإرهاب الزرقاوي ومن يدافع عنه ويبرره.
 
بطاقة اعتذار للعراقيين عن تمجيد الزرقاوي * خالد الحروب ـ كامبردج
 

مشهد التقريظ والتمجيد والمدح وخلع ألقاب البطولة والشهادة على الزرقاوي بعد مقتله هو مشهد مخجل بكل المعايير.
المشاركون في ذلك المشهد يتعددون ، ففيهم أناس مضللون بالنقمة والخطابات الشعبوية المدمرة ، وفيهم مثقفون يظنون أن كل من قال تسقط أمريكا فهو بطل أو مشروع بطل ، وفيهم إعلاميون مضللون يبحثون عن التصفيق ويتلاعبون بمشاعر الناس ومضامين القضايا ، وفيهم مع الأسف نواب وبرلمانيون في الأردن داسوا على مشاعر العراقيين ولم يحرك في قلوبهم المتحجرة أن غير المأسوف عليه كان السبب وراء سقوط ألوف الأبرياء من العراقيين.

سوف يزم كثيرون شفاههم هنا ويقولون وماذا عن عشرات الألوف الذين قتلهم الأمريكيون ، وكأن القتل هنا يبرر القتل هناك. ليست هناك علاقة بين إدانة الزرقاوي وكل جرائمه وبين تسطير أي موقف لا يدين الأمريكيين بذات اللغة وأشد. وبوضوح أكثر الاحتلال الأمريكي في العراق مشروع وحشي وقذر ، لكن وحشيته وقذارته يجب ألا تبرران لنا التسامح ولو قيد أنملة مع أناس لم تكن لهم بوصلة سوى شهوة الدم العراقي ، وكانوا يعتبرون قتل الشيعة في العراق أحل من قتل الأمريكيين. هذا بغض طائفي أخطر من الاحتلال. الاحتلال سوف ينتهي آجلا أم عاجلاً لكن الدم الطائفي الذي ساهم الزرقاوي في إسالته في العراق لن ينتهي بسهولة.
قراءة ما كتبه كثيرون عن الزرقاوي تمجيداً وتخليداً تصيب المرء بالخجل من الحالة الفكرية والانحطاط الثقافي والإنساني الذي وصلنا إليه. ويتضاعف ذلك الخجل والمرء يتخيل صور ألوف الأبرياء من العراقيين الذي قتلهم الزرقاوي في غزواته الخالية من المروءة وأدنى قدر ممكن من الرجولة. صور ألوف الأطفال وصرخاتهم الباكية على آبائهم المضرجين بالدماء بسبب رصاص الزرقاوي تخرج من بين سطور التمجيد التي كتبت في الزرقاوي لتدين كل من كتبها. وصور ألوف الأرامل وهن يلطمن صدورهن بعد أن الذي قضت سيوف أمير الذباحين على أزواجهن وأدخلهن حياة البؤس إلى الأبد ستظل تلاحق الذي فقدوا الإحساس بالإنسانية والأخوة والتضامن. ليتامى العراق وأرامل العراق وللدم الذي سال على صفحة دجلة والفرات جراء عماء الإجرام الزرقاوي علينا أن نرسل بطاقة اعتذار باكية عن كل حرف أو كلمة تمجيد كتبها أو نطق بها من لم تهز مشاعره صور الدم والإجرام .. فيا أيها العراقيون الثكلى عذرا وتأسفاً، الزرقاوي مجرم كبير استسهل إراقة الدم المسلم وأطلق سنة الذبح الهمجية المخجلة ، في كل مكان في العالم صارت قصة الذبح من الوريد للوريد ماركة مسجلة للمسلمين ، وكأنهم لا قلب لهم وقدت مشاعرهم من حجر.

من أجل هذه الصورة فقط ، إن كان ثمة حليم في عداد مادحي الزرقاوي ، لا يستحق هذا الأخير أدنى نقطة تأييد أو احترام. في بياناته وتصريحاته وخطاباته التي تغيب عنها شهامة أهل الجاهلية فضلا عن أخلاق الأسلام الحميدة في الحرب ، كان يتفاخر في ذبح إمرأة تعمل في جمعيات خيرية لصالح العراقيين ، أو عجوز يعمل سائقا في العراق ، أو صحفي أو صحفية جاء إلى العراق ليغطي جرائم جورج بوش هناك. الزرقاوي طائفي كبير استسهل العبث الطائفي ورأى أنه لا بد من إشعال حرب أهلية بين سنة العراق وشيعته ، بل وطوائفه الأخرى ، واشتغل على ذلك. استهدف جوامع الشيعة ، وكنائس المسيحيين ، ومن قتلهم من العراقيين أضعاف أضعاف من قتلهم من الأمريكيين. والذين لم يروا فيه إلا مجاهداً ضد الاحتلال الأمريكي لا يرون إلا بعين واحدة. فمحاربة الأمريكيين لا تشرعن القتل المحلي ، وليس كل من أطلق رصاصة على مصفحة أمريكية صار منظراً لمستقبل العراق ، وصار يحق له قتل من شاء والعفو عمن شاء.
يجب التفريق بين تبني المقاومة واستخدام المقاومة كوسيلة لفرض شرعية فوقية على المجتمع والناس ، وكأن المقاوم يصبح قديساً فوق الشبهات يجوز له العبث يميناً وشمالاً في مستقبل وحاضر الناس. الزرقاوي وإرهابه وجرائمه هو أحد الأسباب في إطالة عمر الاحتلال الأمريكي للعراق ، على عكس المقاومة العراقية الشريفة التي لم تستهدف سوى الاحتلال الأمريكي والتي لا يمكن لأحد أن يدينها. فاستهداف المدنيين العراقيين والفوضى الأمنية التي زرعها في طول وعرض العراق وفرت مسوغا كبيرا للأمريكيين لأن يبقوا ويطيلوا من عمر احتلالهم. فهم لا يستطيعون مغادرة العراق وهو غارق في الذبح الطائفي لأن ذلك سوف يضعهم في أسوأ صورة ممكنة وبأنهم من جلب ذلك إلى البلد. وبطاقة الاعتذار لأهل العراق المزنرة بالخجل من كل نص مدح فيه الزرقاوي تصبح أكثر إلحاحاً جراء ما قام به نواب إسلاميون أردنيون من تعزية في مقتله واعتباره شهيداً وبطلاً. يسترخصون دم العراقيين الأبرياء وقتلهم ، ويسترخصون دم الأردنيين والفلسطينين الأبرياء وقتلهم وهم الذين سقطوا في غزوة عمان حيث استهدف أسود الزرقاوي عرساً عادياً بريئاً وتمكن مجاهدوه الأبطال من إطاحة العريس والعروس وأهلهما جميعا وكل المدعوين. لا يتدنى لمستوى هذا الانحطاط المنسوب للجهاد إلا انحطاط تأييده وتبجيله والبحث عن مسوغات له. كيف يمكن لنواب الشعب أن يؤيدوا من أراق دم من انتخبهم ويصفوه بالشهيد والبطل؟ أين هي أخلاق الدين والمروءة والحرص على الدم المسلم؟ أم هو عماء الأيديولوجيا والتطرف والعصبية الحزبية يقود إلى مهاوي التفكير السقيم والفتاوى الأكثر سقماً. مرة أخرى سوف يزم كثيرون شفاههم ويقولون ولكن أين الحديث عن الاحتلال الأمريكي الذي كان وراء كل هذه المصائب. وكأن عقلنا الجمعي صار صغيراً إلى درجة فاضحة بحيث أنه من المحظور مناقشة قضية محددة دون أن نربطها بالمشروع الإمبريالي الأمريكي ضد المنطقة. الاحتلال الأمريكي للعراق وأهدافه في المنطقة جلب كل المصائب ، وسوف يجلب مصائب اخرى. ونحن إما أن نساعده في جلب مصائب إضافية على أنفسنا وإما أن نواجهه ونقلل من تلك المصائب. مصيبة الاحتلال لا تعني التبرير لمصيبة الزرقاوي ومن هو على شاكلته. مقاومة أي احتلال يجب أن تتمسك بالتفوق الأخلاقي وبعدالة القضية أولا وأخيراً. إن سقطت المقاومة في اختبار الأخلاق سقطت عدالة قضيتها وتساوت مع المحتل. وهذا ما حدث مع الزرقاويين والظواهريين والبندلادنيين ، حيث أنحطوا بقضايانا العادلة ويريدوننا أن نلحقهم في هذا الانحطاط.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(11) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني