شاركت قبل يومين في الاعتصام الذي تم القيام به أمام مجلس النواب والذي أشادت به وسائل الإعلام والصحف باعتباره ردا على خطيئة نواب جبهة العمل الإسلامي، وبالرغم من كل النوايا الطيبة لكل المشاركين في الاعتصام والمنظمين له فإنه لم يكن مقنعا لا من ناحية التنظيم ولا الرسالة الموجهة ولا عدد المشاركين، بل ربما كانت مظاهره السلبية أكثر من الايجابية لتؤكد هذه الحالة على غياب النشاط السياسي الوطني الديمقراطي في الأردن. الاعتصام تميز بتسابق المشاركين على الميكروفون لتقديم آيات الولاء بالتعبير عن مناطق وقرى وعائلات وهذا انعكاس جيد لولاء المواطنين لبلدهم وقيادتهم ولكن هذا لم يكن أبدا أداء سياسيا يرقى إلى مستوى التحدي. وحتى هذه اللحظة، وبالرغم من كل بيانات التنديد والاستنكار لم يتم تنظيم أي نشاط شعبي في الشارع الأردني يحشد مئة ألف شخص ليقول لجبهة العمل الإسلامي نحن نرفض ما قمتم به، والسبب في ذلك هو غياب أي حزب أو تجمع وطني ديمقراطي أردني يملك الحد الأدنى من التنظيم السياسي والعمق الشعبي. لقد كانت أحداث الأيام الماضية كفيلة بكشف الكثير من الحقائق في الساحة السياسية الأردنية. إن حزب جبهة العمل الإسلامي حزب فائق التنظيم والالتزام وهو الحركة السياسية الوحيدة في الأردن ذات الامتداد الشعبي، وفي هذا الإطار فقد كانت مسألة وقت فقط قبل أن يظهر الحزب ومن خلال دفاعه عن النواب الأربعة واتخاذه موقف الهجوم المضاد على الحكومة والدولة بدلا من الاعتذار والاعتراف بالخطأ، يظهر إرادة وقوة وعزم ليس فقط على مناكفة الحكومة بل على مقارعة الدولة الأردنية، وأعلن عن نفسه حزبا يملك الثقة والاعتداد بالنفس لتوجيه قفاز التحدي نحو مؤسسات الدولة وثوابتها. وما ساعد الحزب في ذلك أن المواجهة باتت بينه وبين الحكومة التي اعتقلت النواب، وبالتالي يلعب الحزب حاليا الدور المفضل لديه وهو دور الضحية، ويستطيع المراقب العام للإخوان المسلمين أن يقول بأن الحملة الموجهة ضد الحزب هي حملة منظمة من الخارج ومن الحكومة وبدعم الولايات المتحدة وأن الكتاب الذين يهاجمون وينتقدون الحزب هم أصحاب ولاءات خارجية، والسبب أن الحزب لم يجد أمامه في الساحة الشعبية الأردنية تنظيما وطنيا قادرا على أن يتحداه فأصبحت الحكومة هي الجهة الوحيدة التي تدافع عن الدولة الأردنية إضافة إلى بعض الإعلاميين. هذه هي النتيجة المأساوية لغياب السياسة الشعبية المنظمة في الأردن وترك الساحة للحركة الإسلامية طوال عقود طويلة. أكثر من 20 حزبا يتوزعون على اليمين واليسار والوسط لا يستطيعون الخروج بمظاهرة واحدة تجمع 10 آلاف شخص لمواجهة تحدي جبهة العمل الإسلامي في قضية رابحة تماما منطقيا وأخلاقيا، فالجبهة ارتكبت خطيئة لا تغتفر في تبرير الإرهاب ضد المواطنين الأردنيين ولكنها الآن تبدو قادرة بحكم الظروف السياسية الأردنية على الاستمرار بهذا التحدي بمنتهى الثقة. ما هي فائدة الأحزاب والمؤسسات المدنية الأردنية إذا كانت غير قادرة على تنظيم مسيرة عارمة ضد الإرهاب ومن يدعمه والدفاع عن ثوابت الدولة الأردنية، وهل هي موجودة فقط للمناكفة وتسجيل المواقف التي لا تتطلب دفع ثمن؟ خلال عشر سنوات تحولت الحكومات إلى "تجارة ليبرالية" للخصخصة وبيع الموارد العامة، وسيطرت نخب اقتصادية لا تملك بعدا شعبيا على صناعة القرار العام، وسادت حالة الإحباط العام في المجتمع وزاد ارتفاع الأسعار والفقر والبطالة. وأصبحت الأحزاب في حالات متزايدة من الشرذمة، وتم انتخاب مجلس نواب ضعيف تحول إلى وكالة تشغيل وتوظيف وسياحة وسفر بكل معنى الكلمة، وتم فرض توجهات "إصلاحية" بدون مشاركة شعبية، وزاد التناحر على المناصب والمكاسب في الأردن وتراجعت تماما ثقة المواطن بالحكومة، وأصبح الاهتمام الأول للمواطن المقتدر منصبا على تجارة الأراضي والأسهم والعقارات بينما أصبحت الطبقات الوسطى والفقيرة تجهد لملاحقة لقمة العيش وتحديات التعليم والصحة والطاقة والمياه. وغابت التنمية الوطنية وزادت الأوضاع تدهورا في العراق وفلسطين وهذا كله شكل مناخا مناسبا لجبهة العمل الإسلامي مستغلة انتشار الأصولية في العراق وفوز حماس في فلسطين وزيادة جرائم الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي للوصول إلى مرحلة من الثقة والتنظيم تتحدى الدولة الأردنية بدون حتى أن تتعب نفسها في تقديم بديل وطني للتنمية والسياسة في الأردن، فقط يكفي خطاب حماسي حول العراق وفلسطين ومناهضة الولايات المتحدة وإسرائيل لاستقطاب الشارع الأردني. كيف ترد الدولة على الجبهة؟ هناك خيارات عديدة أسوأها ما تم تنفيذه للرد على الحركة الإسلامية في الجامعات وهو خيار تقوية الولاءات العشائرية والقبلية والإقليمية في مواجهة الالتزام التنظيمي والديني للجبهة، وهذا خيار مدمر للأردن لأنه لا يترك البلاد إلا في مواجهة خيارين أحلاهما مر: التطرف أو التعصب. كما أن خيار تقوية الإقليمية يعني عزل نسبة كبيرة من الشعب الأردني عن هذه الحركة وإشعارها بالتهميش وخلق انقسام أفقي جديد في الأردن نحن في غنى عنه. أن أي نشاط شعبي وطني أردني في مواجهة تحدى جبهة العمل الإسلامي يجب أن يشمل كل مكونات الشعب الأردني وكل طاقاته ويتعامل مع الأردن كدولة عصرية حديثة تضمن حقوق المواطنة لكل الناس. الخيار الثاني هو المواجهة الأمنية والاعتقالات والمطاردات، وربما يكون بعض رموز الحركة الإسلامية وهذا ما قد يشكل تراجعا كبيرا عن الحقوق الديمقراطية للمواطنين ويقدم أفضل حجة لجبهة العمل الإسلامي للعب دور الضحية مرة أخرى وربما التسبب بتوجه المزيد من الشباب نحو التطرف خاصة وأن قيادة الجبهة لم تعد تلعب دورها التقليدي في احتواء التطرف والدعوة إلى الاعتدال وهذا ما ثبت خلال قضية حماس وقضية زيارة نواب الجبهة لعزاء الزرقاوي. الخيار البديل الوحيد في مصلحة الأردن هو بناء تدريجي لحزب شعبي ديمقراطي وطني يعتمد على حقوق المواطنة والمدنية ويستثمر كل الطاقات الكامنة في الشعب الأردني ويدافع عن الثوابت الوطنية للدولة، ولا يكون منبرا للحكومة ويكون حزبا ديمقراطيا يكفل حرية الرأي والتعبير ووطنيا يضع مصالح الأردن فوق كل اعتبار وقوميا يرفض الاحتلال الأميركي والإسرائيلي ويعمل على اتجاه بوصلة التنسيق العربي وحزبا قادرا على الدخول بثقة في عصر العولمة والحداثة ممثلا للديمقراطية الأردنية في ساحة الحضارة العالمية، ولكن الأهم من ذلك كله أن يكون حزبا شعبيا له امتدادات وطنية واضحة في كل القرى والمخيمات والمدن في الأردن. هذه مهمة ليست سهلة، ولكنها ممكنة في حال توفر إرادة وطنية صادقة من قبل رموز تملك المصداقية في العمل السياسي الأردني. أن الهتافات والدبكات مجرد نشاطات ثقافية تعكس الهوية الوطنية ولكنها ليست أدوات عمل سياسي في مواجهة حزب منظم قوي يملك الثقة وخطاب تعبئة دينية فعال يجذب أعدادا كبيرة من الناس. ولا خير في أي سياسي في الأردن لا يبذل جهدا منظما للوصول إلى هذا الحزب الوطني المنشود الذي يجمع طاقات الأردنيين للبحث عن حلم أردن وطني ديمقراطي يكفل حرية التعبير وينبذ الإرهاب والتطرف والتعصب القبلي ويحقق تقدما نحو العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية والاستقرار الأمني المبني على توازن سياسي شعبي أكثر من المفروض بقوة الأمن.
الاربعاء, 14 يونيو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












