مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

حانت ساعة الحقيقة أمام جبهة العمل الإسلامي

تم نشر هذه المقالة في صحيفة الدستور اليومية في يوم الثلاثاء 13-6-2006  

 

 منذ أن مارست الكتابة الصحفية قبل عشر سنوات لم أتخيل، وأنا المؤمن بحق التعبير عن الرأي بأنني سأكتب مقالا أرحب به باعتقال مواطن أردني، ولكنني الآن أكتب بقناعة تامة مرحبا بتوقيف نواب جبهة العمل الإسلامي الأربعة الذين زاروا بيت عزاء الزرقاوي، وأولهم النائب الذي اعتدى على شهداء الأردن بكلام ممجوج ومرفوض وتبعه بتمجيد للمجرم الذي قتل الأطفال والنساء والأبرياء في عمان وكل مدن العراق تقريبا.

 

يحدث هذا لأنني لم أتخيل في يوم من الأيام أن تصل حرية التعبير إلى هذا المدى من الإنحطاط واللامسؤولية، فلا يوجد مبرر ولا مبدأ لحرية التعبير يعطي الحق بامتداح إرهابي قتل الأبرياء والإساءة إلى هؤلاء الشهداء، وبالتالي الإساءة إلى حرمة الحياة نفسها. لقد كسر نواب الجبهة الأربعة كل المحرمات التي نجمع عليها في الأردن وبالتالي كان لا بد من تدخل الدولة لوضع الأمور في نصابها الصحيح.

 

وإذا كانت الدولة قد تدخلت من خلال التوقيف، وربما بناء على قضية سيرفعها ذوي الشهداء، فإن هذا التدخل سيكون مرحليا لأن النواب الأربعة محصنون برلمانيا، ولا أعتقد أن ما قاموا به، بالرغم من الرفض التام له هو جنحة أو تهمة موجودة في ثنايا القانون الأردني، ولكن هذا يعلمنا درسا بأن النشاط الأول الذي يجب وصفة إرهابا في قانون منع الإرهاب يجب أن يتمحور حول تمجيد الإرهابيين وايجاد المبررات لهم، وهذا ما فعله النواب الأربعة في حماية حصانتهم وعدم وجود قانون ضد هذا التصرف.

 

ولكن الرد طويل الأمد يجب أن يكون شعبيا، وأن يكون مرتبطا بمدى تطور موقف جبهة العمل الإسلامي التي تواجه امتحان الحقيقة، وهي في طريقها إلى الرسوب فيه بجدارة فائقة. لقد انتظرنا ردا مسؤولا من الجبهة يدين تصرف النواب، ويعتذر للشعب الأردني ولعائلات الضحايا ويؤكد أن الزرقاوي وملته ليسوا إلا مجرمين لا شهداء، ولكن شيئا من هذا لم يحصل خلال الأيام الماضية بل تمادى النواب والجبهة في التحدي. ولكن هذه المرة لم يكن التحدي والمناكفة ضد الحكومة، فهذا يمكن احتماله ويندرج ضمن الحقوق الديمقراطية ولكنه كان تماديا وتحديا للدولة الأردنية وشعبها، وفي هذا السياق لا مجال للصمت والسكوت.

 

ردود فعل النواب كانت سيئة أكثر من الفعل نفسه، فالنائب علي أبو السكر المعروف عنه أنه قاد عملية تصنيف الناس إلى وطنيين وعملاء من خلال قوائم التطبيع التي أعلنها عندما كان على رأس لجنة مقاومة التطبيع في مجمع النقابات يقول أنه ليس في موضع تحديد المواقف من الاتهام أو التبرئة، بمعنى أنه لا يستطيع اتهام الزرقاوي بالإرهاب ولهذا زار بيت العزاء استجابة للواجبات الاجتماعية. ولكننا لم نر أبو السكر في بيوت عزاء شهداء عمان، ولم نشاهده يكفكف دموع الطفلة مرح التي قتل الإرهاب الزرقاوي أباها في العراق فلماذا لم تكن هناك واجبات اجتماعية في ذلك الوقت؟

 

أما السيد حمزة منصور فيبدي حساسية عالية تجاه حرية التعبير ويصرح بأن اعتقال أبو فارس مخالف لحقوق المواطن الدستورية لأنه نائب أمة ويعتبر عن رأيه، ونسى الأستاذ منصور أن أبسط حقوق الإنسان الدستورية هي الحق في الحياة والذي اختطفه الزرقاوي بعملياته الإجرامية التي يسميها أبو فارس جهادا بطوليا.

 

أما بيان الجبهة فكان مؤسفا بحجم الجريمة نفسها، من حيث استخدام حجة الضحية مرة أخرى، وممارسة الإرهاب الفكري باتهام كل من يخالف رأيها وكل من انتقد سلوك نوابها بأنهم "موتورين" ويمارسون ضغطا سياسيا على الجبهة. لا يا جبهة العمل الإسلامي، توقفوا هنا. لا يحق لكم تصنيف الناس كما تشاؤون وهذه الرخصة التي تدعونها ستخرج من أيديكم. من يهاجمكم الآن هم الشعب الأردني الذي مارستم منتهى الإساءة ضده، ونحن لسنا عملاء لأحد ولا نسمح لكم بهذا التطاول والسكوت الذي كنا نمارسه في السابق كان سببه احترام حقكم في ممارسة العمل السياسي وقناعتنا، التي يبدو أنها كانت خاطئة، بحرصكم على المصلحة الوطنية لهذا البلد ورفض الإرهاب وعدم خلطه بالمقاومة. ولكننا لن نسكت بعد الآن، ونحن كمواطنين أردنيين شرفاء غير مرتبطين لا بإسرائيل ولا بالموساد ولا بالولايات المتحدة نقول لكم أن ساعة الحقيقة قد حانت لكم وعليكم أن تتحملوا مسؤوليتكم.

 

أمام جبهة العمل الإسلامي خيارين أولهما الاعتذار للشعب ومعاقبة النواب الأربعة وإعلان الالتزام التام برفض الإرهاب وعدم ربط الإرهاب بالمقاومة، والتبرؤ من كل نشاطات دعم الإرهاب الفكرية والايديولوجية وعدم السماح لصدور تصريحات تحريضية أو مؤيدة لقتل المدنيين وتكفيرهم. ثاني الخيارات هو مواصلة تحدي مبادئ الدولة الأردنية والتخاذل عن الواجب الوطني والديني في نبذ الفكر التكفيري وربط مصير الجبهة بفكر التكفير، وفي هذه الحالة لا يوجد بيننا إلا القانون الذي لا يسمح بممارسة هذا النوع من التحريض تحت أي مسمى كان.

 

سماء الديمقراطية الأردنية تتسع لجبهة العمل الإسلامي وكل الترحيب لها في حال إعلان التزامها السلم ونبذ الإرهاب ولكن لا مكان لها حتى لو تمكنت من تجييش مشاعر الناس في حال استمرت في هذا الدور المرفوض من "التورية" على جرائم الإرهاب. والديمقراطية الأردنية لا تعني أن من حق "كل مواطن أن يتحدث بالطريقة التي يريدها" كما قال سالم الفلاحات فنحن لا نقبل تمجيد إسرائيل ولا نشر رسوم ضد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا نشر مجلات إباحية ولا الدعوة إلى الإلحاد والكفر ولا تأييد الاحتلال وبنفس الوقت نرفض أيضا إطلاق لقب شهيد على إرهابي مثل الزرقاوي فهناك حدود لا يمكن اختراقها وكما للإسلاميين الحق في تحديد ما لا يسمحوا بتجاوزه فنحن أيضا لا نسمح لجبهة العمل الإسلامي بتجاوز الثوابت الوطنية.

 

لقد وصف مراقب الجماعة السيد سالم الفلاحات الكتاب الذين انتقدوا زيارة النواب بأنهم "موتورين لهم ولاءات خارجية" وهذا منتهى الإرهاب الفكري، وإذا كان لفظ "موتور" بحاجة إلى فحص سكري وضغط لتأكيده فإن وصف "لهم ولاءات خارجية" يتطلب رفع دعاوى قضائية ضد المراقب العام الذي يبدو أنه يستسهل إطلاق الأوصاف على الناس، ولو كنا قد تصدينا لهذه الظاهرة في بدايتها لما تم التجرؤ على الأقلام والكتاب الذين دافعوا عن الأردن. لا توجد لدي ولاءات خارجية يا مراقب عام الأخوان ولكنني وبالاستناد إلى دموع وآلام كل ضحايا الإرهاب في الأردن والعراق سوف استمر في كيل الانتقادات لجبهة العمل الإسلامي والدفاع عن بلدي وأهلي حتى يعود إليكم الرشد وتميزون ما بين الإرهاب والمقاومة.

 

الدولة الأردنية أكبر وأهم من جبهة العمل الإسلامي وكل قياداتها ورموزها، وعندما تصل الأمور إلى حد تحدي الدولة والتهجم عليها فلا مجال للسكوت، وعلى جبهة العمل الإسلامي الآن قبل غد أن تختار دورها في المجتمع الأردني إما كحركة سياسية محترمة تعارض لمصلحة الوطن وترفض العنف أو تنظيم يؤيد العنف والإرهاب حيث تختلف طريقة التعامل مع الحزب باختلاف الموقف، ونحن بالانتظار.

 

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(12) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني