إجتاحتنا أخبار العنف في المجتمع الأردني في الأيام القليلة الماضية مما جعلنا جميعا نشعر بقلق شديد على هذا الانحدار السريع في أخلاقيات المجتمع نحو العنف وضد كل الفئات بلا استثناء. قبل ايام طالعتنا وكالة الأنباء الأردنية بترا بخبر يثير القشعريرة حول قيام إمرأة بقطع أنف طفلتها وسلخ قطعة من جلدها بواسطة سكين ساخن، في واحدة من أبشع وأسوأ أمثلة العنف ضد الأطفال التي شهدناها عبر التاريخ. ويوم أمس افتتحنا صباح الجمعة على خبر مرعب وهو قيام شاب بقتل شقيقاته الثلاث ورابعتهم في حالة حرجة في المستشفي نتيجة ما أسماه "خلافات عائلية" وفي نفس اليوم نقرأ أن طالبا اعتدى على مدير مدرسته بخنجر بسبب استجواب المدير للطالب حول استخدام الهاتف الخلوي في الصف! ما الذي يحدث في المجتمع الأردني؟ أن هذه القصص الثلاث تظهر جزءا بسيطا من واقع حقيقي نحو العنف يعيشه هذا المجتمع، وتدل عليه سجلات الأمن العام ومنظمات مقاومة العنف الأسري. ويمتد هذا العنف أحيانا ليصبح جماعيا من خلال مشاجرات قبلية وعشائرية تنتشر في الشوارع والجامعات الأردنية، هذا إضافة إلى زيادة نسبة جرائم القتل والسرقة التي يمارسها المحترفون. يمكن إلقاء الكثير من المواعظ الأخلاقية في هذا السياق أو محاولة تفسير هذا التدهور لأسباب دينية واجتماعية، ولكن ما أريد التركيز عليه هو قضية منع ثقافة تشجيع العنف وضرورة تشديد القانون وتطبيقه بعدالة. أن القانون الحازم الواضح هو الذي يمنع مثل هذه الجرائم تدريجيا عندما تتم محاسبة مرتكبيها بشدة. يمكن أن يتحدث الكثير حول طيش ورعونة هذا الشاب الذي قتل شقيقاته، ولكن هل يمكن أن نلومه في ظل وجود ثقافة شعبية تجعل الأخ الذكر وصيا على شقيقاته، وفي وجود قانون يسمح بعقوبات مخففة على من يقتل شقيقته بدافع "سورة الغضب"؟ لا شك أن هذا الشاب يعرف أن في القانون الأردني بندا يساعد القاتل في الهروب من تبعات جريمته في حال كانت نابعة من "فقدان الأعصاب في سورة غضب" ولهذا فإن الشاب قال للشرطة بعد أن سلم نفسه بأنه "فقد أعصابه". وبالفعل لا نلومه على استخدام كلمة "فقدان أعصاب" حتى لو كان قد فقدها أربع مرات في فترة تجاوزت العشر دقائق في ارتكاب جريمته، لأنه يعلم أن في القانون ثغرة يمكن أن يهرب منها، وقد سبق أن سمع عن حالات مماثلة حدث فيها عقاب خفيف جدا لمن يقتل شقيقته تحت "سورة الغضب". الطالب الذي يعتدي على الأستاذ والمدير ويطعنه بسكين يعرف بأن التهمة لن تكون الشروع في القتل بل مشاجرة في مكان عام وهي قد تنتهي بتدخل من وزير أو نائب أو شخصية مهمة تضغط على المدير لسحب شكواه مقابل فنجان قهوة وأن هذا الشاب لن يقضي وقتا كافيا في السجن ليتعلم أن هذا البلد يدار بقوة القانون لا بقوة العلاقات الاجتماعية. هناك الكثير من البنود التشريعية والثقافة السائدة في المجتمع الأردني والتي تشجع العنف الاجتماعي والوسيلة الوحيدة لمواجهة هذا العنف ليست المواعظ الاجتماعية والحديث عن وجود "قضايا مصطنعة تثيرها الجهات الممولة أجنبيا" ووضع الرؤوس في الرمال بل مواجهة هذه الثقافة والقوانين تماما كما نتواجه ثقافة التكفير والإرهاب. أن اليد التي تطلق النار من المسدس أو تستخدم الخنجر لقتل الشقيقات والمدير تفعل ذلك من منطلق ثقافة تشجع على العنف مسنودة بقوانين تخفف العقوبات، وهذا هو تماما ما يشكل ساحة المواجهة: الثقافة والقوانين.
السبت, 20 مايو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












