قبل سنتين حدثت صدمة أخلاقية في السياسة الأردنية عندما كشفت صحيفة عراقية عن قائمة بأسماء شخصيات سياسية أردنية لعبت دورا تجاريا في صفقات بيع النفط مقابل الغذاء مع النظام العراقي السابق. وقد أسيلت أنهر من الحبر في الصحف المحلية حول هذه القضية وتمكنت "الكتائب الإعلامية" المساندة للحكومة من الضرب بقوة ضد هذه الشخصيات السياسية المعارضة بحجة الخلط بين الموقف السياسي المؤيد لنظام صدام وما بين الدور التجاري الغريب الذي مارسوه. وللأسف فإن هذه الشخصيات السياسية لم تستطع الدفاع عن نفسها، وكان التبرير السائد أن "الدور النضالي القومي" لهذه الشخصيات جعل النظام العراقي يعطيها الأولوية في صفقات النفط مقابل الغذاء تقديرا لهذا الدور السياسي، وهو عذر غير مقبول من شخصيات أضفت على نفسها دائما صورة المناضل السياسي النقي، وفي الواقع فإن هذه الشخصيات السياسية لم تستطع أن تتعافي مطلقا من آثار هذه الصدمة. وفي السنة الماضية تم كشف النقاب ولو بصورة بسيطة عن بيع كمية من المنحة النفطية الكويتية التي تم منحها للأردن بعد ارتفاع اسعار النفط من قبل الحكومة، ولم يتم ابدا الكشف الدقيق والتفصيلي عن مصير هذه المنحة النفطية وتم إنهاء النقاش بهذا الموضوع في مجلس النواب. وقبل ستة اشهر اندلعت فضيحة قيام شركات أردنية وبغطاء رسمي من الحكومة ببيع نفط عراقي تم منحه للأردن بأسعار تفضيلية في بداية العام 2003 في السوق العالمي بالأسعار الدولية وهذا ما تم توثيقه بكل التفاصيل في تقرير صادر عن لجنة التحقيق بفضائح برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق. ومع أن الحكومة أعلنت عدم معرفتها المسبقة بهذه الصفقات وعدم قيامها بدور فعال فيها، وأن دورها الوحيد كان وسيطا في بعض الحالات، فإن هذا السلوك يبقى غير مقبول أيضا، فدور الحكومة هو إدارة الشؤون العامة في الأردن وليس القيام بوساطات وتسهيلات لرجال أعمال في صفقات سيتضح لاحقا أنها غير قانونية وتؤثر سلبيا على سمعة الأردن السياسية والاقتصادية. وحاليا يتم في الأردن استضافة مؤتمرات ما يسمى "إعادة إعمار العراق" وهي أكبر عملية فساد ونهب منظمة تقودها الولايات المتحدة لسرقة الموارد العراقية وإعداد عطاءات للشركات المتعاملة مع الجيش الأميركي وقد لعب رجال الأعمال الأردنيون وخاصة المدعومين سياسيا دورا كبيرا في هذه المسألة. إن اختلاط السياسة بالتجارة ممارسة باتت متجذرة حتى في القطاع الرسمي في الأردن وأصبح من الضروري تشخيصها بصراحة، تمهيدا لإنهاء هذه الظاهرة وإعادة السياسي الأردني ، سواء كوزير أو نائب أو في أي منصب رسمي إلى دوره السياسي المستقل، لأن اختلاط السياسة بالتجارة لن يؤدي إلا إلى الإساءة إلى سمعة المؤسسات السياسية الأردنية وخاصة الحكومة. تعلمنا درسا هاما من الحكومات السابقة، وهو مدى خطورة الدمج بين الدور السياسي والتجاري، أو بمعنى أدق استغلال الموقع السياسي لأغراض التجارة. بعض الحكومات السابقة قامت وللمرة الأولى في تاريخ الأردن بتعديل القوانين والتشريعات الاقتصادية لتصب في مصلحة فئة من رجال الأعمال امتلكت ناصية القرار السياسي. وفي سجل طويل من الاجتهادات السياسية الخلافية، كان هذا التصرف من الحكومات غير مقبول من كل النواحي، وقدم نموذجا سلبيا على إمكانية استثمار الموقع السياسي للمصالح التجارية بدون محاسبة ومساءلة، أو حتى دون السماح بالنقد والمراقبة من قبل وسائل الإعلام. وفي الكثير من الحالات خلال السنوات الماضية، يتبادل السياسيون والإعلاميون والمواطنون الأخبار حول تدخلات يقوم بها مسؤولون كبار في مواقع المسؤولية السياسية في تحديد مسار صفقات اقتصادية وتجارية كبرى لعل أهمها عمليات خصخصة بعض المؤسسات والشركات الرسمية الكبرى، بالإضافة إلى بعض العطاءات الهامة. ويذكر التاريخ القريب للحكومات الأردنية حكومة الروابدة تشكلت في بداية العام 1999 كان قرارها الأول، وفي اليوم الأول من عملها إعفاء رئيس شركة الاتصالات من عمله والبدء بإجراءات خصخصة شركة الاتصالات، حتى قبل انتهاء الأيام البروتوكولية من تهان استقبالات! ولا ننسى أيضا استمرار امتلاك بعض الوزراء والمسؤولين لأسهم في شركات تجارية أثناء دورهم الوظيفي الحكومي، ومع العلم التام باستحالة الاستغناء عن الدور التجاري لبعض رجال الأعمال الذين يتحولون إلى سياسيين في مرحلة ما، فإن الشفافية واحترام القوانين العامة تقتضي الابتعاد التام عن أية تعاملات تجارية من قبل هذه الشركات في العطاءات الحكومية والصفقات التي يدخل بها القطاع العام، كما يشير الدستور صراحة إلى عدم جواز الجمع بين المنصب الوزاري وامتلاك الشركات. ومن الواضح أن علاقات الأردن المتشابكة مع السوق العراقي أيام حكم صدام حسين وسيطرة أبنائه وعائلته على برنامج النفط مقابل الغذاء كانت تحتم المرور بشبكة الفساد الخاصة بالنظام، آخذين بعين الاعتبار حقيقة اعتماد الأردن الكلي على النفط العراقي. ولكن الحكمة كانت تقتضي التقليل ما أمكن من الدخول في دوامة الفساد العراقية، لأن النظام العراقي السابق ما كان سيبقى للأبد، وسيأتي يوم تكشف فيه الأوراق السرية وتلاعبات صفقات برنامج النفط مقابل الغذاء، والتي كان يتحدث عنها الكثير من السياسيين ووسائل الإعلام العربية والأجنبية، ولكننا في الأردن كنا نرفض تصديقها إما دفاعا عن "طهارة" العلاقة الأردنية-العراقية، أو دفاعا عن مصداقية النظام العراقي "رمز الصمود والتصدي للصهيونية والإمبريالية...الخ". وإذا ما كان الفساد عنوان العمل التجاري في عراق صدام، فإن للفساد أبعادا مضاعفة في العراق تحت الاحتلال، حيث يسود الفساد غالبية كبرى من عطاءات إعادة الإعمار، سواء من خلال شبكة الشركات الأميركية-البريطانية المسيطرة على حصة الأسد في هذه العطاءات المدارة من قبل البنتاجون، أو من خلال أدوار الشخصيات العراقية الحالية في مواقع المسؤولية الحكومية، والتي ثبت تورطها في اقتطاعات ورشاوى من معظم هذه العطاءات. وقد كان من المحرج جدا لنا في الأردن أن نحتفي بتصريحات الوزير العراقي حازم الشعلان حول ضرورة تسليم أحمد الجلبي إلى الأردن بسبب دوره في سرقة بنك البتراء وتحويل أمواله للخارج، بينما ضرب الجلبي قنبلته وكشف دور الشعلان في تحويل 200 مليون دولار من بنوك عراقية إلى أخرى في المشرق العربي ومنها الأردن. لا نستطيع بالطبع أن نتجاهل أهمية دور الأردن في السوق العراقي، ولكن الدرس الذي يجب أن نتعلمه، خاصة في القطاع الحكومي هو ترك الانغماس في آلية إدارة السوق العراقي لرجال الأعمال بدون أية تغطية أو دعم سياسي، وإلا تمت الإساءة إلى سمعة الأردن عندما تنكشف أسرار الفساد في هذه المرحلة كما في مرحلة صدام، حيث تمر كل التيارات السياسية العراقية بمرحلة من الصراع والفوضى وتصفية الحسابات المكشوفة، وسيكون التراشق بتهم الفساد عنوانا لهذه الصراعات، ولا نريد أن نكون في الأردن مادة إعلامية خصبة ولا أن يتم الإساءة إلى سمعة بلدنا بسبب مصالح تجارية لبعض رجال الأعمال. كلما بقيت الحكومة بعيدة تماما عن هذا الأمر، وكلما حرصت الحكومة على عدم الزج بأوراق أردنية رسمية وأدوار لسياسيين أردنيين في موقع المسؤولية الرسمية في تعاملات الاقتصاد العراقي-الأميركي الجديد كلما كان ذلك أفضل لمصلحة الأردن وسمعة البلد على المدى البعيد. وعلى الصعيد الداخلي فمن المهم جدا إقرار تشريعات صارمة تمنع تماما ازدواجية السياسة والتجارة بالنسبة لكل الوزراء والمسؤولين الكبار والنواب، لأن التجربة أثبتت في كل دول العالم أن الدمج بين التجارة والسياسة ليس إلا وصفة جاهزة للفساد والإساءة إلى سمعة الدولة والانحياز في القرار السياسي أو التجاري، ولا يمكن أن نصل إلى مستوى من الشفافية والحكم الرشيد إلا من خلال التزام السياسيين الرسميين بدورهم السياسي بدون أي تدخل للمصالح التجارية في العمل اليومي.
الاربعاء, 17 مايو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












