يؤكد رئيس الجامعة الأردنية أنه لن يسمح بتحويل الجامعة منبرا للأحزاب السياسية في تصريحات إعلامية واضحة ودقيقة عشية الإنتخابات الطلابية التي ستجري في الجامعة الأردنية يوم الخميس عن طريق انتخاب نصف أعضاء مجلس الطلبة بشكل شخصي وقبلي وعشائري وتعيين نصفهم الآخر بمعايير غير معروفة لنا، اي تطبيق نظام جيمقراطي "نص كم" أعتقد شخصيا بأنه يتحول إلى نظام "ديمقراطي كت" على طريقة الملابس الحديثة في غياب كل البعد السياسي عن الانتخابات. ولا شك أن ما يقوله رئيس الجامعة صحيح، فالطريقة التي تتم الانتخابات بموجبها لا تسمح بوجود منابر حزبية في الجامعات لأن الحزب السياسي الوحيد في الأردن وهو جبهة العمل الإسلامي لن يشارك في الانتخابات أما الأحزاب الأخرى سواء القومية أو اليسارية فلم يعد لها أي دور حقيقي أو امتداد نوعي في الجامعات بحيث بات من الصعب جدا الحديث عن عودة التأثير الحزبي اليساري-القومي في السبعينات والثمانينات والذي أنتج مجموعة كبيرة من قادة ونشطاء العمل العام في الأردن ورفع مستوى الوعي السياسي والمسؤولية الوطنية إلى مراحل عالية. يمكن لإدارة الجامعة الأردنية أن تكون فخورة بنجاح هدفها في منع الجامعة من التحول إلى منبر حزبي، ولكن عليها أن تعرف الثمن الذي يدفعه الطلاب وقطاع الشباب الأردنتي نتيجة هذا التوجه. إن جولة سريعة لصناع القرار في الجامعة الأردنية ستجعلهم يشاهدون أن شعارات دعم حماس والصمود ومقاومة التطبيع التي كنا نحس أنها دخيلة على الحياة الجامعية قد تحولت إلى شعارات عشائرية وقبلية وشعارات تحدي بالقوة الاجتماعية وهتافات وطنية وعالية المستوى مثل "إزرع وإقلع باذنجان" وهتافات مستمدة من ملاعب كرة القدم حول " مسح الأرض بالطول والعرض" ولكن لأهداف ليست لها علاقة بالحفاظ على النظافة العامة في الجامعات أو لتحقيق التنمية الزراعية! وقد رأيت الكثير من إعلانات تأييد من عشائر مناطق معينة لمرشحها في الانتخابات وهذا أفضل درس في تعليم التعصب لشباب الجامعات! هل يمكن أن تكون إدارة الجامعة، والحكومة وصناع القرار التربوي والسياسي في الأردن سعداء بهذا التوجه الجديد؟ وهل يستحق إبعاد تأثير الإسلاميين في الشارع الجامعي أن يكون ثمنه تحويل الجامعة إلى ساحات للصراعات القبلية وتنمية التعصب بين الطلبة في أهم وأخطر مراحل حياتهم والذي يظهر في أوجه في فترة الانتخابات. لقد كان خيار مواجهة الإسلاميين بالخطاب الإقليمي الخيار المفضل للحكومات في نهاية الثمانينات وحتى منتصف التسعينات ، وحقق هذا الخيار نجاحا تدريجيا في تقليص عدد المقاعد التي يربحها الإسلاميون في الجامعات، ولكن كان ذلك في المقابل يساهم في زيادة حجم التعصب القبلي حيث لم تغب اية جامعة رسمية وخاصة عن بؤرة الأحداث في الصراعات والمشاجرات المبنية على التعصب والمستندة إلى العنف. ومن محاسن الصدف أن يفوز بحث تربوي أردني حول العنف في الجامعات بالمرتبة الثالثة في مسابقة البحوث التي أشرف عليها اتحاد الجامعات العربية قبل أيام من انتخابات الجامعة الأردنية. وقد تم إجراء البحث على عينة من 6 آلاف طالب من اصل 60 ألف في الجامعات الرئيسية في الأردن وتوصلتن النتائج إلى أن اسباب العنف هي الشعور بالكبت (76%) وإهمال بناء الشخصية (75,6%) والتعصب القبلي (62%) والإنطواء وعدم لتكيف مع الحياة الجامعية (52%) والشعور بعدم المساواة في تطبيق القوانين الجامعية (51,7%). وهكذا نرى أن الأحزاب والسياسة لم تكن ابدا عنصرا من عناصر العنف الجامعي كما لم تكن ابدا في تاريخها، بل أن الحزبية قد تكون وسيلة لتجاوز اسباب العنف التي ذكرتها الدراسة، والتي أكدت بأن العنف والمشاجرات في الجامعات انتشرت بعد أن حل التعصب القبلي المدعوم من إدارات الجامعات مكان الوعي والممارسة السياسية في الجامعات. لم تشكل المظاهرات السياسية في الجامعات أية مشاكل أمنية أو إزعاج للطلبة إلا في حالات نادرة وبسبب الاستفزاز المتبادل بين الطرفين الإسلامي والقبلي، وقيام بعض الطلبة بالاختباء وراء شعارات دينية ووطنية في مواجهة بعضهم البعض. أما المظاهرات السياسية المنددة بالسياسات الإسرائيلية والأميركية وغيرها فقد كانت تجمع نسبة كبيرة من طلبة الجامعة وتمر بسلام بدون مشاكل باستثناء قيام الحركة الإسلامية باستثمارها لدعايات أيديولوجية وحزبية وهذه مظاهر عادية في النشاطات السياسية الشعبية. وقد قمت شخصيا خلال الفترة ما بين 1990- 1996 بالتنسيق والمشاركة في عشرات من المسيرات في الجامعة الأردنية بدون أن أكون منظما في أي تيار سياسي وهناك الآلاف من الطلبة الذين يقومون بنفس هذا الدور استجابة لمبادئهم السياسية والفكرية المستقلة بدون التسبب بالمشاكل والعنف. الحياة الجامعية مختبر هام لصقل شخصية الشباب، والعمل السياسي المنظم والمبرمج والسلمي في الجامعات خطوة هامة في "التنمية السياسية" لأنها تساهم في تشكيل النواة الثقافية والتنظيمية والفكرية للشباب الأردني ليساهم في العملية السياسية. وفي النهاية فإننا إذا أردنا للشباب الأردني أن يلعب دورا في "التنمية السياسية" فهذا سيحدث من خلال الحرم الجامعي وليس من خلال مقاهي الأرجيلة ومحلات ألعاب الكمبيوتر. وهذا سيتم عبر عملية تطورية من احترام خيارات الطلبة والتركيز على الانتخاب المباشر لأعضاء المجلس والسماح بحملات انتخابية منظمة تساهم في ظهور طلبة يمثلون الشارع الطلابي واهتماماته وحتى لو كانت سياسية لأن الوقت سيساهم في النهاية بتحويل هذه الاهتمامات إلى مجالها الصحيح وهو تطوير الحياة الجامعية بأبعادها العلمية والتربوية والاجتماعية. أشعر بانحياز تام إلى حق كل طالب في العمل السياسي داخل الجامعة لصقل شخصيته وثقافته وخوض الانتخابات بطريقة مفتوحة وشفافة. لا أزال شخصيا أعتبر أن السنوات التي قضيتها في النشاط السياسي والثقافي في الجامعة الأردنية هي أكثر السنوات ثراء في حياتي والمنعطف الرئيسي في صقل شخصيتي، ولا تملك أية إدارة جامعية أو حكومة الحق في حرمان الطلبة الأردنيين من هذه التجربة التي تعتبر مركزية في تطور الشخصية الوطنية.
الثلاثاء, 16 مايو, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












