مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

ما هي معايير الولاء والإنتماء في الأردن؟

بين كل فترة وأخرى يطفو إلى السطح في الأردن جدل سياسي وثقافي مستمر حول معايير الولاء والانتماء، ويكون السبب الرئيسي في معظم الأحيان وجود مشكلة سياسية مثل قضية الأزمة بين الحكومة وحماس، وللأسف فإن التركيز يتم على دور الهوية الثقافية والوطنية في تصنيف الولاء السياسي وهذا في اعتقادي خطأ كبير في تقييم الولاء حسب الهوية العرقية والثقافية.
ومن أجل المتابعة التاريخية والعلمية لتطور الهوية الثقافية الأردنية أنصح الجميع بقراءة كتاب صغير ولكنه مهم جدا للباحث الشاب سامر خرينو صدر قبل سنة بعنوان "سباق العصبية والمصلحة: ظل الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية 1948-2002" وفيه يعرض الباحث تطورا تاريخيا لنمط الثقافة الوطنية الأردنية ويصل في النهاية إلى خلاصة مفادها أن الثقافة الوطنية الأردنية تنقسم إلى نمطين أولهما ثقافة العصبية وهي روابط الدم وتقوم فيها العلاقات على أساس القربى وثانيهما ثقافة تجاوزت العلاقات التقليدية وتعتمد على "المصلحة" ولكن ليس بالمعنى النفعي الانتهازي ولكن بمعنى العلاقات القائمة على أسس مهنية أو فكرية أو تنظيمية. وبالتالي يستنتج الباحث أن الثقافة الوطنية الأردنية هي "ثقافة مركبة".

وهذا المصطلح سبب الكثير من الإرباك، وخاصة إذا تم النظر إليه بأن "ثقافة العصبية" هي ثقافة المجتمع الأردني التقليدي بمكوناته قبل العام 1948 وأن "ثقافة المصلحة" هي ثقافة المجتمع الفلسطيني الذي لجأ قسم منه إلى الأردن وأصبحوا مواطنين أردنيين. والواقع هو أنه مع تطور نمط الحياة ووسائل الإنتاج والمهن حدث التداخل في الثقافتين، فأصبحت ثقافة الدم منتشرة لدى الجهتين وكذلك ثقافة المصلحة ولا يمكن أن يكون هناك تمايز ديمغرافي بين هذين النوعين من الثقافة.

النقطة الثانية المرتبطة بفكرة "الثقافة المركبة" هي أن الثقافة ليست بالضرورة أداة لتصنيف الولاء السياسي والمواطنة، وهذا هو الخطر الذي يمكن أن تشكله هذه النقاشات الدائرة حاليا. فأية دولة في العالم، سواء الأردن أو غيره يمكن أن تتضمن تعددا كبيرا في الهويات الثقافية، ولا يمكن أبدا وبأي حال من الأحوال أن تتضمن تعددا في الولاء السياسي. يمكن بسهولة أن تتعايش وتتكامل في الأردن هوية المجتمع الأردني التقليدية (القروية -الفلاحية والبدوية) وهوية المجتمع الفلسطيني (الفلاحية-المدنية) وكذلك الهويات الثقافية "المتوطنة" وهي الهوية الثقافية القفقاسية والشامية والكردية وهذه الهويات جميعا تكون مصدرا للإثراء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي عندما تعمل ضمن نظام من الولاء السياسي والمواطنة للدولة وليس ضمن تعدد الولاءات السياسية.

أما تعدد الولاءات، حسب تاريخ الأردن السياسي فهو لم يكن ناجما عن انقسام ديمغرافي في أغلب الأحيان، ففي أخطر فترات تكون وتطور الدولة الأردنية في الخمسينات والستينات كان الولاء السياسي لدول الجوار ظاهرة موجودة لدى كل فئات المجتمع الأردني ولا يقتصر على فئة محددة، وحتى الآن فإن تصنيف الولاء لا يمكن أن يتم على أسس إقليمية، فكما أن هنالك مواطنين أردنيين أعضاء في تنظيمات فلسطينية هنالك مواطنين أعضاء في أحزاب مرتبطة تماما بدول وأنظمة حكم أخرى.

علمتنا تجارب الدول في العالم أنه لا توجد دولة مبنية على "نقاء ووحدانية" في الهوية الثقافية، وأن تعدد الهويات الثقافية سائد في كل دول العالم والدول الناجحة هي التي تستثمر هذا التعدد ضمن إطار المواطنة والديمقراطية والتنمية والدول الفاشلة هي التي تسعى وراء إحداث انقسام سياسي مبني على تعدد الهويات الثقافية. ولهذا فإن واجب كل المؤمنين بوحدة هذا البلد والمنتمين له سياسيا التمسك بخيار تعدد الهويات الثقافية ضمن إطار ولاء سياسي واحد لا يمكن السماح بتجاوزه ورفض كل دعوات تقسيم الولاء على أسس "ثقافية" لأن هذا هو أخطر مدخل لترويج مؤامرة "الوطن البديل".


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(2) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني