اكتشفت يوم أمس وبالوثائق الدامغة التي لا يمكن مجادلتها بأنني عميل لثلاث جهات مختلفة، وحرصا على الشفافية والمصداقية الإعلامية فلا بد من كشف هذه الحقيقة أمام الجميع. الاكتشاف الأول حدث أثناء طلبي فتح حساب بنكي جديد حيث تم الطلب مني تقديم بيانات بإسم العميل، فأصبحت عميلا لهذا البنك التجاري وهو البنك الثالث الذي أسقط في "مستنقع العمالة" الخاص به! وبعد ذلك وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني من البنك الدولي تتضمن استبيانا مطلوب تعبئته من "عملاء البنك الدولي" وذلك كخطوة في درب التشاركية لتحديد الاستراتيجية الجديدة للبنك الدولي، وقد اكتشفت أنني أصبحت عميلا للبنك الدولي أيضا وأحد 700 شخص تم إرسال الرسائل لهم في الأردن كعملاء. وفي نفس اليوم وصلتني مكالمة تلفونية من شركة الاتصالات التي أتعامل معها لتؤكد لي بأنني "عميل مهم" لدى هذه الشركة التي تريد تقديم أفضل الخدمات "لعملائها" في مجالات الاتصالات، وأن الشركة مهتمة برضا العملاء الذين يصل عددهم إلى ما يقارب المليون! بعد هذا الاكتشاف الخطير الذي أعترف به أمام القراء، لا بد من الإشارة إلى إحساسي بالامتعاض لان اللغة العربية العظيمة بتاريخها ومعانيها وثقافتها وهي لغة القرآن الكريم والحضارة العربية والإسلامية لم تستطع ايجاد كلمة عربية مناسبة لترجمة مصطلح Client ولا أعرف إذا كانت البنوك "الإسلامية" قد تمكنت من تحقيق هذا الاختراق ولكنني أتمنى بالفعل تشكيل فريق عمل على مستوى الجامعة العربية لحماية ملايين العرب من تهمة "العمالة" التي تلتصق بهم فور تعبئة أي نموذج تسويقي أو مالي أو أي تعامل مع بنك ومؤسسة مصرفية أخرى. ولكن الواقع أن العقل العربي بشكل عام يعشق مصطلح "العميل" وخاصة في السياق السياسي والفكري. لا توجد لدى السياسيين العرب وخاصة الحزبيين منهم كلمة أسهل من "عميل" ليتم إلصاقها بكل من يخالفهم الرأي أو التوجه السياسي. ويكاد لا يخلو بيان حزبي، أو تصريح صحافي من قيادي أيديولوجي وسياسي عربي وأردني من استخدام كلمة "عميل" ويتم عادة ربطها مع أي مصطلح آخر، فيمكنه أن يكون الشخص المتهم عميلا للصهيونية والإمبريالية والولايات المتحدة والرأسمالية العالمية والشيوعية ...الخ، وبالطبع لا توجد أدلة ولا وثائق ولا معلومات حقيقية بل مجرد اتهامات تتقاذفها المقالات والبيانات والتصريحات. والمشكلة أن لفظ "العمالة" أصبح منتشرا في الشارع العربي، ومن السهل إلصاق تهم العمالة بأي شخص يختلف في التفكير عن التيار السائد، وأوضح الأمثلة على ذلك اتهام كل المؤسسات التي تعمل في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة بالعمالة للغرب والصهيونية، واتهام كل مثقف عربي يؤمن بقيم الديمقراطية الليبرالية بالعمالة للولايات المتحدة فقط لان هذا المثقف يرفض الدكتاتورية القومية أو الإرهاب الذي يمارس بإسم الإسلام من قبل التنظيمات الأصولية، أو أن هذا المثقف يؤمن بضرورة الحلول السلمية حيث لا يعترف الوسط السياسي العربي وخاصة الإسلامي والقومي والحكومي منه بحق أي شخص في الاختلاف الفكري مع التيار القومي والإسلامي والسلطوي السائد. ستكون حالنا أفضل في العالم العربي لو تعلمنا احترام الآراء المختلفة، وحق جميع الأفكار في الوجود طالما لا تشكل خطرا على الأمن والاستقرار وكلما انخفض منسوب استخدامنا لكلمة "عميل" في خطاباتنا وحوارتنا كلما ارتفع منسوب الثقافة الديمقراطية لدينا، ولكن المشكلة أن منسوب احترام الآراء المختلفة ينخفض أكثر من سطح البحر الميت وخاصة من قبل من يطالبون يوميا بالديمقراطية وحرية التعبير!
الثلاثاء, 25 ابريل, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












