مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

الليبرالي الوطني...والليبرالي المعدل وراثيا!

من أصعب المهام في العالم العربي أن تكون مثقفا أو إعلاميا ليبراليا، ووطنيا في نفس الوقت! أن صفة "ليبرالي" نفسها تفتح هجمات النقد والتشكيك من قبل التيارات الثقافية العربية، والالتزام بالوطنية يعني أيضا ضرورة التمتع بالمناعة أمام الضغوط والمغريات المادية والمعنوية للإنضمام إلى جوقة "الليبراليين الجدد" الذين يروجون للسياسات الأميركية في المنطقة.

يمكن القول بأن الكثير من الآليات الاجتماعية بين الكائنات الحية وعلاقتها مع البيئة المحيطة في الطبيعة تنطبق على بني البشر في كل المجالات ومنها الثقافة. في الطبيعة تتعرض بعض الكائنات إلى خطر الانقراض نتيجة تمتع المنافسين بمزايا تتناسب مع البيئة المحيطة وتتأقلم معها، كما أن بعض التطورات الخارجية تعرض أنواع من الكائنات إلى خطر الانقراض في حال تم "تطوير طفرات وراثية" وكائنات معدلة منافسة لها.

وفي البيئة الثقافية العربية، يبقى المثقف الليبرالي الوطني هو الأكثر تعرضا لتهديد الانقراض لأنه الأقل تكيفا مع البيئة المحيطة، مع أن هذا لا يعني وجود خطأ في الفكر، ولكن عدم التكيف مشكلة رئيسية. البيئة العربية لا تدعم الفكر الليبرالي، لأسباب جوهرية لها علاقة بالتاريخ والمعتقدات والطبيعة الاجتماعية التسلطية. والأنظمة السياسية والاجتماعية العربية لا تدعم الفكر الليبرالي إلا في حالات نادرة تشكل الاستثناء من القاعدة.

المثقف الليبرالي العربي يحمل قناعات ليبرالية وأهمها الإيمان بمبادئ الحرية الفردية ضمن سياق نظام العقد الاجتماعي، وسيادة القانون الإنساني، والفصل بين الدولة والدين، والتسامح مع المعتقدات الأخرى، ودعم حقوق الإنسان والمرأة والأقليات الدينية والعرقية، والالتزام بالحرية في التعبير والكرامة والديمقراطية والتعددية. وهو أيضا يرفض الاحتلال الأميركي والإسرائيلي وسياسات الهيمنة الرأسمالية الاقتصادية ولا يقبل الوصاية الأميركية على الثقافة العربية ويرفض كل أنواع الإرهاب والعنف السياسي وتعريض المدنيين للموت، حتى لو كانوا أميركيين وإسرائيليين، ويرفض التمييز بين الناس على أسس دينية وبالتالي يرفض الهجوم على اليهود بسبب ديانتهم إذا لم يكونوا من المؤيدين للصهيونية العنصرية.   

الكثير من هذه الأفكار الليبرالية يتناقض مع الأفكار السائدة في العالم العربي، ومنها الفكر الديني والقومي والسلطوي، وهي الأقوى تأثيرا وكذلك الفكر اليساري الذي يواجه صعوبة أيضا في التكيف مع العالم العربي. ولكن أخطر ما يواجه الليبرالي العربي الوطني حاليا هم "الليبراليين المعدلين وراثيا" الذين أنتجتهم  مختبرات البنتاجون والاستخبارات الأميركية للترويج للسياسات الأميركية في المنطقة باستخدام الشعارات الليبرالية.

يواجه الليبرالي العربي الوطني هجوم الفكر الديني الذي يعتبر نفسه يمتلك الحقيقة المطلقة، ويرفض الكثير من مبادئ التعددية والتسامح ويتهم الليبراليين بتجاوز التقاليد الدينية والاجتماعية والدعوة إلى الانحلال والحريات الاجتماعية والثقافية المرفوضة من وجهة نظر دينية، وخاصة من قبل التنظيمات المتطرفة والأصولية، سواء كانت تستخدم السيف أو القلم.

أما الفكر القومي فيعتبر أن الليبراليين عملاء للخارج يحاولون زرع مفاهيم دعم التعددية والحريات والتسامح بدلا عن مفاهيم الفكر القومي الذي يدعي الحق المطلق والدفاع عن مصالح الأمة العربية ويرفض التعددية السياسية، وتمثل هذا التيار الأحزاب العربية القومية الداعمة للأنظمة التسلطية العسكرية.

وترفض التيارات السلطوية أيضا الفكر الليبرالي باعتبار أنه يدعو إلى التعددية السياسية والفكرية داخل الدولة وتأييد المعارضة السلمية واحترام حرية الرأي، وهو ما تعتبره السلطات خروجا عن القانون الوطني.

أما التيارات اليسارية فهي الأقرب فكريا إلى الليبرالية السياسية والثقافية في مجالات التعددية، ولكن اليسار العربي يربط الليبرالية السياسية مع الليبرالية الاقتصادية والرأسمالية الاستغلالية ويعتبر أن الليبرالي مهادن للرأسمالية والاستعمار ولا يضع حدودا فاصلة بين الليبرالية السياسية والاقتصادية.

ولكن أخطر منافسي الليبراليين العرب الوطنيين هم وبلا شك الليبراليين المعدلين وراثيا الذين تم إنتاجهم وتعديل أدمغتهم في مختبرات وزارة الدفاع والاستخبارات الأميركية بعد 11 سبتمبر في مخطط مبرمج لنشر هذه الكائنات المعدلة في الوسط الثقافي العربي، والترويج للسياسات الأميركية الاستعمارية في المنطقة تحت شعارات ليبرالية. أن الليبرالي المعدل وراثيا يستخدم نفس مصطلحات ومبادئ الليبرالية عندما يدعو إلى الديمقراطية وحرية التعبير وفصل الدين عن الدولة والتعددية الثقافية والسياسية، ولكنه يصل في النهاية إلى مبتغاه من خلال الترويج للسياسات الأميركية خاصة في نشر فكرة أن السياسة الأميركية ترغب في دعم الديمقراطية في العالم العربي، والتغاضي التام عن انتقاد الجرائم الأميركية ضد العرب والمسلمين وتبرير دعم الاحتلال الإسرائيلي بحجة عدم وجود قيادات فلسطينية متعقلة، وأخيرا الترويج لفكرة أن الإرهاب "منتج ثقافي إسلامي وعربي" بمعزل عن أسبابه الحقيقية في الاحتلال والاستعمار والجرائم الأميركية- الإسرائيلية.

سوف يفشل الليبراليون العرب المعدلون وراثيا في نشر هذه الأفكار البلهاء، ولكن المشكلة أنهم سيقضون على مصداقية الليبراليين العرب الوطنيين إلا إذا استجمع هؤلاء قوتهم في مواجهة الكائنات المعدلة وراثيا وحافظوا على أنفسهم من الانقراض!

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 24 ابريل, 2006 02:50 ص , من قبل faris darwazeh
من كندا

Bater

interesting artcile i have a few comments. I fail to understand you equated nationalism with denying or limiting the temptations of life or western views. Nationalism doesnt entail limiting such temptations or adhereing from western views.
Certainly one can engage in nationalism and yet keep an open mind and further can opt to take on an western lifestyle and policies in favour of his country. Furthermore a connection can be established between nationalism and neo liberalism where the latter serves the former
One last thing, i agree with the notion that political neoliberalism and economic liberalism are connected, but both simoulatously come together in a package i think that u cant have one without the other, also being neoliberal encompasses both the economic and political, i dont see how neo liberalism can be divided into economic and political variations.

thanks for your patience, interesting artcile. I usually read your artciles when i am in Amman over xmas or summer breaks.

good luck

faris darwazeh ,


اضيف في 24 ابريل, 2006 03:04 ص , من قبل faris darwazeh
من كندا

one last comment

i understand the difficulty of following nationalism in the arab world and to be an neo liberal, for neo liberal is a western concept hence the difficulties. had the situation been reversed the same experiences will be felt. In theory neo liberal can support nationalism, such is the case with the US after all their neo liberal policies are in place to serve the US be them private or public benefits

Also there is this notion in the arab world that equates reform with the west and i think that the problem people face when trying to place themsevles on the poltical spectrum. I am not here defenfing neo liberalism just stating that such a policy can serve nationalism.

Again, its an interesting article

thanks
faris darwazeh


اضيف في 24 ابريل, 2006 09:40 ص , من قبل سليمان صويص
من الأردن

عزيزي الاستاذ باتر،
احترم وجهة نظرك واتفق معك في الكثير من جوانبها ؛ السؤال هو : ماذا تنتظر حتى يتم تأسيس حزب الليبراليين الاردنيين الوطنيين ؟ ألا يمكن ان يكون ردا" على الترهل الفكري والسياسي لمعظم الاحزاب القائمة ومجابهة فكرية ـ سياسية للتيارات الدينية التي تريد ان تحتكر الحقيقة والشارع ؟
مع خالص التحية والتقدير.
د. سليمان صويص


اضيف في 25 ابريل, 2006 07:27 ص , من قبل باتر وردم
من الأردن

د. سليمان صويص شكرا جزيلا على تفضلك بزيارة الموقع وأعتقد أن سؤالك واقعي ومهم وسأجيب عنه في مقالة قادمة على هذا الموقع بعد أن أنظم أفكاري بطريقة مفيدة.

fares thanks a lot for visiting the blog and I hope you can always be able to pass by. Your idea about the integration of nationalism and western values is completely true and I think I have missed to highlight this connection.
There is a difference between "liberal politics" and neoliberal plitics since liberal politics is a way of pursuing democracy and freedoms within the context of social equity and civil rights. This is completely different that neo-liberal policies implemented by Bush administration which are based on ultra-nationalism and military expansion. Liberal economies are mostly associated with neo-liberal policies and are based on trade liberalization and more power for the economic elite with no social context. Glad to read you and plz be back.


اضيف في 26 ابريل, 2006 12:44 م , من قبل faris darwazeh
من كندا

Bater

NIce to see a reply. As i said the connection can be establsihed theoretically between neo liberalism and nationalism

I think that in the arab world the concern or fear is of western impact or influence the problem resulting from such a concern are grave ,also suming up western values as one is also a grave stereotype, not every western nation follows a harsh or ultra neo liberal policies, examples are sweden and canada. Yes they are heavily influenced by neo liberal yet they maintain great social responsiblity and semi welfare state as is the case with Canada

Its important that we as arab establish a premise for idetifying what is the west, the degree or severity of the neo liberal policies, generally speaking when people in the arab world refer to the west its usually the US and their ultra neo liberal policies

Further, there are examples of countries in the third world that have took forth reform and neo liberal policies and have been able to maintain social responsibilities for Ghana is one good example and Mauritius is another, i understand the concerns and how people in Jordan tend to generalize and sum the west as one, for the reform model in jordan is still in the early phases of its development and i hope its safe to say this there is no social network for the people which i think would really turn the tables in favour of the people supporting our reform initiative, for examples the recent government subsidies distributed post the hike in oil prices is good initiative and i would like to see more of that. Jordan can for sure establish a social network and follow a neo liberal policy be it economic or political.

To sum up neo liberal is not always on the right divide of the political spectrum, yes it is of a right wing mindset yet if combined with a more welfare or social orientated policies it does miracles. Again its important to note that associating neo liberal policies with the US i


اضيف في 28 يونيو, 2007 02:44 م , من قبل Hisham
من المملكة العربية السعودية

مرحبا استاذ باتر
المقال رائع جدا، و قدم تحليلا و توصيفا واضحا لواقع "الليبرالية" العربية. لقد تأخرت الليبرالية في القدوم الى ديارنا عن معظم باقي دول العالم، و بعد طول غياب جاءتنا مسخا مشوها. و لعل اوضح مثال على تلك الليبرالية المزعومة هو موقع ايلاف الذي يضم "كوكبة" من الليبراليين الجدد و على رأسهم طيب الذكر شاكر النابلسي.

ان الملاحظة التي تغيب عنا حين نتحدث عن الليبرالية هي ان الاخيرة موجودة حصرا في الحقل الثقافي، فلا يوجد لدينا ليبرالية سياسية، و استطيع الزعم (بقليل من المجازفة) ان الليبرالية الحقيقية غير موجودة سوى في لبنان و تونس من بين جميع الدول العربية.

لكنك تذهب بعيدا في المبالغة يا استاذ باتر حين تقرر ان الليبراليين الجدد "تم انتاجهم في مختبرات البنتاغون". و هذه الطريقة في التحليل هي عود على بدء عادة عربية عتيقة في التهويل و رمي الخصوم بالنقائص. فنحن حين نريد ان نهجو شخصا نصفه بأنه "عميل امبريالي" او "يهودي"، اقول ان العربي يمكن ان يكون مشوه العقل و النفس و مجرم، لكن كل هذا لا يعني انه "عميل صهيوني". ان الرد على الليبراليين الجدد يكون بالحجة و المثال و المقارعة العقلية، و ليس بإلغائهم من طريق اتهامهم بالدوران في فلك البنتاغون.

انا اعتقد ان معظم من يسمون انفسهم "بالليبراليين الجدد" تصدر افكارهم من ماضي شخصي و ليس من اقتناع حقيقي بالليبرالية بمفهومها الكوني المتنور، و ربما يكون بعضهم مصاب فعلا بعقدة نقص ترقى الى مرتبة المرض.
بالنسبة للاردن فأعتقد انه من شبه المستحيل المراهنة على بروز تيار ليبرالي حقيقي فيها، و هذا مثير للحزن و الاسف.

و شكرا على هذا المقال.

هشام




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني