من المؤكد أن قضية التمرد الثانية في السجون الأردنية تحمل ثقلا أمنيا كبيرا ولكن يجب القول أن مثل هذه الأحداث لم تعد شأنا أمنيا فقط بل شأنا عاما في الأردن لأنها تفتح الباب أمام تشويه متعمد للصورة الأردنية في الخارج، كما أن تكرارها يمكن أن يصنع نسقا مزعجا من التوتر الأمني على الصعيد الداخلي. لقد استمعنا مرة أخرى إلى بث إعلامي حي ومباشر مع "النزلاء" في السجون الأردنية، وهذا اختراق لا يمكن أن نصدق حدوثه حتى في أكثر البلدان ديمقراطية في أوروبا، حيث لا يمكن لسجين أن يتصل بالهواتف الخلوية مع الخارج ويضع الدولة والأمن في موقف حرج. الكثير من السياسيين من الإسلاميين والقوميين يقولون بأن للسجناء مطالب تستحق التلبية، والبعض يربط بين قضايا سجناء الإرهاب وبين قضايا أخرى بسيطة يتعرض فيها السجين لضغوطات أمنية غير مبررة لإعطاء صورة سلبية مبالغ بها عن واقع الحال في السجون، أو محاولة الإدعاء بأن السجين من التنظيمات الإرهابية يجب أن يتمتع بنفس الحقوق التي يحصل عليها سجين جرائم اجتماعية واقتصادية أخرى. وفي هذا السياق يجب الاعتراف بأن أوضاع السجون في حاجة إلى تغيير والخطوة الأولى في ذلك هي التعامل بطريقة مختلفة مع المساجين الخطرين المتهمين بقضايا إرهابية مثبتة ومحكوم عليهم من محكمة أمن الدولة مثل تنظيم الطحاوي والجيوسي وغيرهم، وبين سجناء آخرين في قضايا السرقة والنصب والبلطجة وحتى القضايا السياسية غير المرتبطة بالتنظيمات الجهادية. بالنسبة للسجناء العاديين من غير الإرهابيين ومن غير المحكوم عليهم بقضايا تنظيمات إرهابية وتكفيرية فإن الحرص يجب أن يكون بالغا على إبعادهم عن تأثير التكفيريين وتزويد هؤلاء السجناء بكافة الحقوق المنصوص عليها دستوريا وعدم سجنهم تحت قيد الاعتقال بدون محاكمة لأن كل هؤلاء أشخاص أخطأوا الطريق ولكنهم سيعودون إلى المجتمع يوما ما. بالنسبة لهؤلاء المساجين فإن السجن يجب أن يكون مركز إصلاح وتأهيل ولكن هذا الحق يجب ألا يمنح للسجناء من التنظيمات التكفيرية. يجب أن نتذكر أن الزرقاوي لم يكن في السابق إلا من أصحاب السوابق الإجرامية ولكن وجوده في السجن وعلاقته مع "أبو محمد المقدسي" أمير جماعات الإرهاب جعله يقتنع بالأفكار التكفيرية ويصبح الزرقاوي رمز الإرهاب في العالم العربي. سجناء التنظيمات التكفيرية خطرون ومنظمون جيدا وخبراء في العنف وجاهزون للقتل وللإنتحار في أية لحظة ويحملون فكرا تكفيريا مدمرا، وهؤلاء يجب ألا يكونوا قادرين على الحصول على تسهيلات مثل الهواتف وأجهزة التلفاز وحتى الزيارات التي تتم إليهم يجب أن تكون مقيدة مراقبة. والأهم من ذلك أن يتم فصلهم تماما عن بقية السجناء وعدم إعطائهم أية فرصة لتنظيم تمرد مثل الذي شهدناه في المرتين السابقتين. بالنسبة لهؤلاء فإن السجن ليس مركز إصلاح وتأهيل بقدر ما هو حاجز يمنعهم عن المجتمع الذي يكفرونه وإذا أعلنوا ندمهم على أفعالهم وتغيير أفكارهم المتطرفة يمكن عندئذ أن يكونوا سجناء قابلين للعودة للمجتمع ويحصلون على حقوق إضافية. أن معظم هؤلاء السجناء مثل الطحاوي والجيوسي يبحثون عن البطولة والتميز في أوساط السجناء الإسلاميين حتى يصبحوا "أمراء" وقادة يمكن أن يتمتعوا بمستقبل مهني مشرق في عالم الإرهاب في حال تم العفو عنهم على الطريقة الأردنية المعروفة. لمن يحمل فكرا تكفيريا يبرر قتل الناس وارتكاب الجرائم الإرهابية والدعوة إلى العنف لا يمكن أن يسمح أن يتحول السجن إلى منبر للدعاية على القنوات الفضائية العربية ولا مركزا لتجنيد التكفيريين الجدد من المساجين الآخرين، ولقوى الأمن كل الحق في التعامل الحازم والصارم مع هؤلاء السجناء.
السبت, 15 ابريل, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












