مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

العقبة...قصة نجاح لأثرياء عمان!

 
 
 
 
كانت هناك أجواء من الاحتفالات في العقبة الأسبوع الماضي بسبب مرور خمس سنوات على إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة ، وقد تمثلت هذه الاحتفالات في الكثير من النشاطات الإعلامية والترويجية حول نجاحات العقبة الاقتصادية في السنوات الخمس الماضية. وركزت هذه النشاطات الاحتفالية على إظهار التطور والتحديث الرأسمالي والعقاري والسياحي المرفه الذي حدث في العقبة وكأنه قصة نجاح اقتصادية كبرى للأردن.

 

في الواقع يمكن أن تكون العقبة قصة نجاح وقد تكون أيضا قصة وعود غير متحققة، وهذا يعتمد على زاوية النظر إلى الموضوع. بالنسبة للرأسماليين الذين استثمروا في العقبة في شراء وبيع الأراضي والعقارات وشراء الفلل في المنتجعات السياحية الجديدة والتي تنتشر بسرعة في الشاطئ الجنوبي، ولمن حقق نجاحا في التجارة والاستثمار فإن العقبة هي بالفعل قصة نجاح.

 

نعترف بأن هناك جهد كبير جدا في العقبة يهدف إلى التحديث وإنشاء بنية تحتية ضخمة، لأن حلم التنمية في العقبة حسب مخططات المطور الاستراتيجي وسلطة المنطقة الخاصة قد يكون في إنشاء عشرات الفنادق والمنشآت السياحية على امتداد الشاطئ الجنوبي. أما حلم العقبة في أذهان سكان عمان فهو شراء قطعة أرض والاستثمار فيها للتهرب من الضرائب أو العمل لمدة محددة برواتب عالية في المفوضية أو غيرها من المؤسسات، والتي جمعت الكثيرين من أصحاب الحظ والواسطات للعمل فيها. ولكن لا أحد يهتم طبعا بحلم التنمية في ذهن أهل العقبة.

 

بالرغم من حجم الاستثمارات الكبير في السياحة الترفيهية والعقارات لم تحقق العقبة الاقتصادية الكثير من الوعود في سياق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبشرية في العقبة نفسها، وهذا ما يتطلب دراسة تقييمية حقيقية لمدى نجاح مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة في تحقيق تطور على مستوى التنمية. لقد قرأنا الكثير عن البيع السريع للمنتجعات السياحية والأرباح الهائلة في هذه المشاريع العقارية ولكننا نعرف أيضا أنه وبسبب فيضان مائي حدث انقطاع في إمدادات مياه الشرب إلى العقبة والتي بقي سكانها لمدة خمسة أيام بدون مياه كما يحدث في أسوأ مناطق الجفاف والتردي في إفريقيا.

 

بالنسبة للسياح القادمين من مدينة عمان لقضاء الإجازة في ربوع العقبة فإن المشهد الذي يرونه  ليس شاملا. السائح من خارج العقبة وخاصة من الطبقات العليا وبعض أفراد الطبقة الوسطى في عمان يضطر إلى تخصيص مبلغ لا يقل عن 300 دينار تكاليف قضاء ثلاثة ليالي في العقبة إذا أراد أن يصل إلى شاطئ البحر، وهي الميزة السياحية الكبرى في العقبة، وهذا الوصول إلى البحر أصبح "ترفا" لا يقدر عليه إلا الميسورين.

 

وبالتأكيد لا يعرف من يزور العقبة ويشاهدها من فنادق النجوم الخمسة أن أهل العقبة الذين ولدوا فيها لا يستطيعون حاليا الوصول إلى الشاطئ للسباحة والترفيه وقضاء وقت عائلي دون أن يضطروا لدفع رسم دخول لأحد الفنادق. فالشاطئ الشمالي تم ابتلاعه تماما من قبل الفنادق وبات على العقباوي أن يركب سيارته أو سيارة أجرة إن كان لا يملك سيارة خاصة والتوجه إلى الشاطئ الجنوبي وإلى المحمية البحرية والتي أنشئت أساسا لحماية البيئة والمرجان والأسماك فأصبحت المتنفس الوحيد من الشاطئ المتاح مجانا أمام الجمهور. أما المساحة المتبقية من الشاطئ الجنوبي والتي تم بيعها بأسعار زهيدة في عهد حكومات سابقة للمستثمرين الأردنيين والعرب والأجانب فهي محصورة الآن بالطبقات الثرية القادرة على دفع تكاليف شراء الفلل والمنتجعات السياحية بعشرات ومئات الآلاف من الدنانير.

 

التحديث موجود في البنية التحتية والتي أصبحت حاليا أكبر بكثير من احتياجات العقبة حتى في أشد السيناريوهات المستقبلية تفاؤلا. إن هذا الاستثمار الضخم في البنية التحتية في المناطق السياحية والاستثمارية يثير الدهشة لأن ما أنجز حتى الآن يمكن أن يدعم الاستثمار لمدة خمسين سنة قادمة على الأقل. ولكن في المقابل يجد سكان مناطق الشلالة والدخل المحدود وغيرها من المناطق الفقيرة صعوبات كبيرة في تأمين احتياجات المياه والطعام والملبس والمسكن والصرف الصحي والعمل والتعليم، ولا توجد في العقبة برامج للتنمية المحلية تحقق استثمارات تنموية رأسمالية في أولويات التنمية في العقبة تتكامل مع برامج السياحة والاستثمار الموجه إلى الفئات الثرية.

 

هناك حالة من الإنعزالية والتباعد تنشأ ما بين سكان العقبة والعاملين فيها من خارج المدينة، وهناك حالة من الفوارق الطبقية منتشرة بكل وضوح ما بين الطبقات الفقيرة وخاصة سكان العقبة الأصليين وما بين أصحاب الثراء السريع. ويجد سكان العقبة أن كثيرا من العادات والطقوس التي تحكم سلوك الناس قد تغيرت، فالمناطق المفتوحة الشعبية البسيطة التي توجد في قلب المدينة أو على مقاهي الشاطئ التي يرتادها جميع أهل العقبة أصبحت هدفا رئيسيا للمستثمرين لابتلاع هذه المناطق وإقامة منشآت حديثة مبالغ فيها لا يقدر سكان العقبة على الاستفادة منها، وإذا استمر هذا الحال سيجد سكان العقبة أن المدينة لم تعد لهم بل لأصحاب رؤوس الأموال فقط.

 

والزائر لمنطقة الحفاير مثلا يشاهد التناقض الكبير في أهداف التحديث، فقد تم إزالة المئات من أشجار النخيل التي كانت تعتبر بمثابة هوية ثقافية وطبيعية للعقبة وتم بناء طرق ومسارات للسيارات والمركبات بدون أن يكون لها داع على الإطلاق، فالتحديث ليس هو المطلوب في كل الأوقات وفي كل الأماكن بل لا بد من أخذ الخصائص الثقافية والطبيعية التاريخية بعين الاعتبار وإقامة منشآت سياحية أو ترفيهية بسيطة تعتمد على المزايا الثقافية والطبيعية للمدينة، وكل من زار تونس مثلا يعرف كيف اعتمدت تونس في تطوير شواطئها والنشاطات السياحية فيها على الخصائص التراثية لا على الفنادق الضخمة.

 

ويتحدث بعض المسؤولين في المفوضية ومؤسسة الموانئ عن خطط لنقل الميناء الرئيسي إلى الجنوب، ولم نعرف في كل العالم عن مشروع ممائل لنقل ميناء كامل بمختلف معداته لأن ذلك يشكل دمارا كبيرا للطبيعة وخطرا على السلامة العامة، ويتحدث البعض عن آلاف الغرف الفندقية والمنشآت السياحية في الشاطئ الجنوبي لا نعرف من الذي سوف يقطن فيها. ولا ننسى أفكار الكازينو وملعب الجولف في قلب الصحراء وغيرها مما لا يمكن أن يكون متناسبا مع طبيعة العقبة وإمكاناتها ومواردها الطبيعية.  

 

أحيانا يكون التفكير المبالغ به سببا في الإحباط، والعقبة لها مستقبل كبير ولكن مثل هذا المستقبل يجب أن يساهم أهل المدينة في التفكير به والوصول إليه فالعقبة ليست كنزا ولا دجاجة ذهبية لأغنياء عمان والمغتربين فقط كما أنه من غير المعقول أن يتم وضع مخططات تنموية وسياحية تناسب فقط الزوار الأجانب الذين يعتمد مجيئهم إلى المنطقة أساسا على الظروف السياسية ويتم تناسي السياحة المحلية ولا يكون هناك أي متنفس للطبقات الوسطى والفقيرة من الأردنيين للتمتع بشاطئ البحر، ومن الطبيعي عندئذ أن تكون الوجهة البحرية للأردنيين هي اللاذقية في ظل إغلاق العقبة أمام من لا يملك النقود الكافية.

 

ما هو ناقص وبشكل واضح في العقبة التنمية المحلية، والتفكير المركز بكيفية الحفاظ على هوية العقبة واستغلال إمكانات وقدرات سكانها وعدم المبالغة بمخططات التحديث، فالعقبة لا يمكن أن تصبح مدينة سياحة ليلية مثل أيلات لأن أخلاقنا وديننا يمنعان هذا التدهور، ولا يمكن أن تصبح منطقة اقتصادية حرة مثل منطقة جبل علي لأننا لا نملك النفط الذي يسمح بذلك، فالعقبة يجب أن تبقى لها هويتها المميزة أردنيا وعربيا وتجمع بين مختلف نشاطات التنمية المستدامة.

 

 وبالنسبة لي كمواطن أردني لا أملك مصالح اقتصادية في العقبة باستثناء حبي لطبيعتها وأهلها وهويتها فإن أول ما سأبحث عنه عند نزولي من الباص هو مقاهي الشاطئ الشعبية ومطعم الحمص الشعبي في قلب المدينة القديمة، وأرجو أن لا يقوم المطور الاستراتيجي بابتلاع هذه المناطق لإقامة فندق خمسة نجوم عليها.    


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(6) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني