في قرية راكين في الكرك تقوم جمعية نسائية نشطة بتقديم قروض دوارة للنساء في المجتمع المحلي لبناء آبار تجميع للمياه والمساهمة في نشاطات تنموية مدرة للدخل لتحسين نوعية الحياة في المنطقة. وفي وادي الريان في الشمال الأردني يتم تنقية مجاري المياه الطبيعية لزيادة كمية المياه النظيفة من الينابيع المستخدمة في الزراعة. وفي عدة محافظات أردنية يقوم مهندسون مختصون بزراعة النباتات المقاومة للملوحة للاستخدام في المناطق المعرضة للتصحر. وفي ماركا في شرق عمان، قامت جمعية نسائية نشطة بتحويل مكب سابق للنفايات إلى متنزه وحديقة عامة يرتادها أهل المنطقة للترويح عن أنفسهم، وفي عدة محافظات في الأردن تقوم جمعيات محلية بإدارة برامج قروض دوارة للنشاطات المدرة للدخل والمشاريع الفردية، وفي وادي رم يتم إنشاء مخيمات للسياحة بإدارة السكان المحليين. وفي عمان، يتم إصدار مجموعات كثيرة من الكتب والمطبوعات التي توثق التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي للأردن ولحفظ هذا التاريخ من الضياع، ويتم إصدار عشرات الكتيبات والدراسات التحليلية التي يمكن أن تفيد كل صناع القرارات السياسية والاقتصادية، ويتم إصدار أدلة عملية للصحافيين والسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان حول التشريعات الأردنية المتعلقة بهذه القضايا. وتقوم عدة مؤسسات معنية بحقوق الإنسان بمتابعة كل انتهاكات حقوق الإنسان واعتقال النشطاء السياسيين الإسلاميين والقوميين وكل الصحافيين المعارضين للنهج الحكومي ويتم حشد المؤسسات الوطنية والدولية والمجتمع بشكل عام لحماية حقوق التعبير الدستورية لجميع الأردنيين. ما هو القاسم المشترك بين كل هذه النشاطات؟ القاسم المشترك الأول هو أن كل هذه النشاطات قامت بتنفيذها مؤسسات وطنية غير حكومية تمثل الجمعيات ومراكز الدراسات ومنتديات الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والتنمية المستدامة والبيئة والديمقراطية، وكل هذه النشاطات تمت بتمويل أجنبي من دول ومؤسسات تمويلية أميركية وأوروبية ويابانية. القاسم المشترك الثاني هو أن نقابة المحامين وبعض الأحزاب تطالب ومنذ فترة طويلة بأغلاق هذه المؤسسات واتهامها الدائم لها بالتمويل الأجنبي المشبوه وانتهاك الخصوصية الأردنية بدون تقديم أي بديل تمويلي ممكن وعملي. نحترم وجهة نظر نقابة المحامين والأحزاب المطالبة بوقف التمويل الأجنبي وحرصها على السيادة الوطنية، ولكن هناك مشكلتين جوهريتين في هذا المنطق يجب أن نتحدث عنهما بصراحة من أجل الوصول إلى نتائج منطقية في هذا الجدل الموسمي الذي يتميز بطغيان العواطف والآراء المسبقة المتطرفة على التحليل العلمي للواقع. المشكلة الأولى في طرح نقابة المحامين هو ذلك الاستسهال الكبير في وصف كل المؤسسات المدنية التي تتلقى تمويلا أجنبيا بأنها مشبوهة وتعمل ضد مصلحة البلد. هذا التوجه خطير، ويمثل نوعا واضحا من "الإرهاب الفكري" أن صح التعبير، كما أنه يشكل إساءة بالغة لمئات وربما آلاف من أعضاء ونشطاء هذه المؤسسات الذين يعملون في حالات كثيرة بدافع التطوع والمصلحة العامة. من الواضح أن مفهوم المجتمع المدني ليس متبلورا بشكل واضح في أذهان المناهضين لهذه المؤسسات وللتمويل الأجنبي. فمؤسسات المجتمع المدني تضم أشخاصا تجمعهم اهتمامات وقيم مشتركة مثل حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية والبيئة والتنمية وهم يملكون كل أشكال الحقوق الدستورية والعملية في تشكيل هذه المؤسسات والدفاع عن هذه القيم العالمية وكلها قيم حضارية، وكون هذه القيم لا تعجب أصحاب التوجهات الإسلامية والقومية التقليدية لا يعني بالضرورة تخوين كل من يدافع عنها، وهذه إساءة على الأساتذة والزملاء في النقابات والأحزاب الانتباه إليها، خاصة أن هذه المؤسسات كانت في طليعة المدافعين عن النقابات أثناء حملة مقاومة قانون النقابات وكذلك فهي في طليعة المدافعين عن الشخصيات الإسلامية والقومية التي تتعرض للاعتقال والمضايقات ضد حقها في التعبير. إن المجتمع المدني ظاهرة عالمية آخذة بالإنتشار والتجذر ولا يجوز تعميم أوصاف الشبهات على كل من يعمل في هذه المؤسسات لأنها تختلف في طروحاتها عن التوجهات التقليدية. ولو كان معارضو التمويل الأجنبي يحملون موقفا واحدا تجاه كل المنظمات لكان ذلك مفهوما، ولكن التركيز دائما يكون على المنظمات التي تروج لمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحسين دور المرأة في المجتمع والسياسة وكذلك حرية الإعلام والصحافة مما يؤكد بأن هذه الحملة ليست ضد التمويل الأجنبي بقدر ما هي ضد المبادئ والمفاهيم التي تدعو إليها هذه المنظمات ويعتقد البعض بأنها غريبة عن المجتمع الأردني والعربي الذي يجب أن يبقى محكوما بالرأي الواحد القومي والديني والإقليمي، وبالتالي فإن النقابات والأحزاب تلغي حق الآخر في الوجود والتعبير عن الذات وهذا مناقض للديمقراطية. المشكلة الثانية في طرح النقابات والأحزاب أنها تقدم الحل الخطأ في حال وجود مشكلة. فلو اقتنعنا جدلا بأن "التمويل الأجنبي" يمكن أن يشكل اختراقا أو تهديدا للخصوصية الوطنية والقومية- بالرغم من قناعتي الشخصية بعدم صحة هذا الطرح- فإن الحل لا يكمن في إغلاق هذه المؤسسات بل في الدعوة إلى الاستعاضة عن التمويل الأجنبي بالمحلي، وهنا تكمن المشكلة. دعونا نقدم سؤالا يشوبه التحدي للنقابات والأحزاب، ونطالبها بأن تقدم لنا جردا حسابيا وعمليا لكمية ونوعية النشاطات والمشاريع والخدمات التي قدمتها للمجتمعات المحلية في الأردن. ماذا قدمت الأحزاب لحل مشاكل الفقر والبطالة والتلوث في المحافظات الأردنية؟ وإذا كانت الأحزاب فقيرة فماذا قدمت النقابات الغنية وما هي البرامج والمشاريع التنموية التي قدمتها نقابات المحامين والمهندسين وغيرها لتحسين نوعية الحياة في المجتمعات الأردنية ضمن الخصوصيات الوطنية التي تخشى عليها من الاختراق؟ دعونا نتقدم بالتساؤل إلى حلقة أكبر. ما الذي قدمه القطاع الخاص الوطني الذي يحظى بدلال الحكومة والنقابات معا لصالح التنمية في الأردن، وماذا قدمت البنوك- باستثناء إثنين أو ثلاثة- وماذا قدمت الشركات العملاقة التي تحقق أرباحا كبيرة لخدمة التنمية الاجتماعية في القرى والمحافظات والأرياف؟ إذا كنا لا نريد أن تقوم السفارات الأميركية والبريطانية والفرنسية بخدمات تحسين شبكات المياه والري ومحاربة البطالة وحماية البيئة وتحسين الوضع الاقتصادي للمرأة والترويج للديمقراطية وحقوق الإنسان وهي كلها في صلب الأولويات التنموية الوطنية فإن علينا أن نجد البديل التمويلي المحلي والعربي، وليس المطالبة بإغلاق المؤسسات التطوعية والمدنية والتي تقدم هذه الخدمات ولا تجد بديلا عن التمويل الأجنبي
الثلاثاء, 28 فبراير, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












