هذه المقالة لم تنشر في عدد اليوم من صحيفة الدستور، ربما لاعتبارات خاصة بسياسة الصحيفة تهدف إلى التركيز على القواسم المشتركة مع حركة حماس بدلا من عناصر الخلاف، ولكنني أجد أن من المهم نشرها تعبيرا عن موقف مواطن أردني لتفاصيل العلاقة المستقبلية بين الأردن وحكومة-حركة حماس. تجد حركة حماس نفسها في مواجهة مرحلة انتقالية صعبة تتمثل في التحول من تنظيم ديني- عسكري-سياسي إلى حكومة سياسية- بيروقراطية- مدنية، وهذا التحول يفرض الكثير من التغيرات في طبيعة علاقة الحركة مع الدول العربية ومع الشارع العربي أيضا. ومن أهم الأولويات التي على حركة حماس أن تنتبه لها أهمية تحديد ناطق رسمي واحد لمواقف الحكومة-الحركة بما لا يسبب أزمة وتناقض في التصريحات السياسية التي يجب أن تكون محسوبة وبمنتهى الدقة. ومع أن الأخوة في حركة حماس ومناصريهم في الأردن لا يظهرون الكثير من الحماس في سماع النصائح والتعليقات ويعتبرون ذلك تدخلا في شؤون الحركة وأيضا اتهاما لها في مصداقيتها، فإننا لا نستطيع تجاهل أهمية توجيه نصيحة هامة جدا للحركة-الحكومة وهي على وشك صياغة تحالفاتها الجديدة وهي نصيحة تحديد ناطق رسمي لحماس من داخل فلسطين يفهم تماما احتياجات الحكومة الجديدة والشارع الفلسطيني ولا يورط الحركة في أزمات دبلوماسية مع الدول الشقيقة. قيادي حماس والمواطن الأردني السيد محمد نزال قال في تصريح مثير بأن "حركة حماس لا تعترف بقرار فك الارتباط بين الأردن وفلسطين". وهنا علينا أن نسأل السيد نزال فيما إذا كان المكتب السياسي أو التنفيذي للحركة قد اجتمع واتخذ هذا الموقف وهو موثق محاضر الاجتماع أم أنه موقف شخصي من السيد نزال باعتباره أحد ثلاثة أو أربعة قادة من حماس يخرجون يوميا بتصريحات مختلفة إلى حد التناقض أحيانا. والأهمية في هذا السياق أن تصريحات السيد نزال لها الكثير من الانعكاسات. فلو كانت حركة حماس، بقيادييها في الداخل والخارج، وأعضاء حكومتها الجديدة متفقون تماما على عدم الاعتراف بقرار فك الارتباط فهذا يعني تدخلا غير مقبول في الشأن الأردني وعدم اعتراف بقرار سياسي وسيادي استراتيجي للأردن، مما يجعل الحكومة الأردنية غير قادرة على التعامل بثقة وانفتاح مع حكومة فلسطينية حماسية لا تؤمن بقرار فك الارتباط. نريد أن نسمع ما يقوله السيد إسماعيل هنية المكلف بتشكيل الحكومة الفلسطينية حول قضية فك الارتباط، فإذا كان السيد هنية مختلفا مع نزال ويحترم القرارات السيادية الأردنية ويعترف بقرار فك الارتباط ولا يعمل على التدخل في الحراك السياسي الأردني من خلال "توأمة" تنظيمية مع جماعة الأخوان المسلمين فمرحبا بالسيد هنية وبوفد حماس حيث يمكن أن نناقش علاقة مستدامة من التعاون والاحترام مع الحكومة الفلسطينية الجديدة. أما في حال أكد السيد هنية تصريحات زميله القيادي السيد محمد نزال، والتي لا تعترف بقرار فك الارتباط ولا ترى مشكلة سياسية في وجود ازدواجية ولاء ما بين مواطنين أردنيين يعملون لصالح حكومة فلسطينية وحركة سياسية فلسطينية مستقلة فإننا نقول مهلا، ودعونا نعيد الأمور إلى نصابها، ولنطالب بثلاثة إجراءات إستراتيجية: 1- نطلب من الحكومة الأردنية عدم إجراء أي اتصال سياسي مع قادة حماس قبل أن يتم الإقرار علنا ورسميا وبمحاضر اجتماعات ووثائق للحركة بقرار فك الارتباط. 2- نطلب من الحكومة تقديم مشروع قانون لتأكيد قرار فك الارتباط إلى مجلس النواب ليصبح قانونا دستوريا لا رجعة عنه. 3- نطلب من جبهة العمل الإسلامي والأخوان المسلمين في الأردن تحديد نوعية علاقتها التنظيمية بحركة حماس بحيث لا يتم السماح بوجود أي قيادي في حزب جبهة العمل الإسلامي أو أي نائب في البرلمان الأردني يكون أيضا عضوا في حركة حماس (الحكومة الفلسطينية). نحترم حركة حماس بكل مقوماتها السياسية والاجتماعية وتاريخها النضالي، ونحترم خيارات الشعب الفلسطيني في انتخاباته النزيهة، ولكننا لن نجامل في مصلحة الأردن أو في مصلحة فلسطين. كيف ستطالب حكومة حماس بدولة فلسطينية مستقلة وهي لا تعترف بفك الارتباط، وماذا سيكون جواب الحكومة الفلسطينية الحماسية عندما ستجلس مستقبلا مع قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية وتستمع إلى اقتراحات "الخيار الأردني"؟ ألا يعرف السيد محمد نزال مدى خطورة تصريحاته التي تضيف ثقلا نوعيا للمخططات الإسرائيلية الرامية إلى إجبار الأردن على الدخول طرفا في مفاوضات الخيار الأردني؟ وفي المنظور الفلسطيني التشريعي، كيف يمكن لحكومة حماس أن تتعامل مع حقيقة أن منظمة التحرير الفلسطينية هي "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" وهي حقيقة تؤكد استقلالية القرار الفلسطيني السياسي. وفي المنظور الشعبي الأردني، ألا تعرف حماس مقدار رد الفعل السلبي على شعبيتها في الأردن الذي سيطرأ بعد إطلاق هذه التصريحات. لا شك أن هناك غالبية عظمى من الشعب الأردني ومن مختلف الأصول والمنابت تؤمن بأن قرار فك الارتباط كان أفضل ما حدث في تاريخ العلاقة الأردنية الفلسطينية، وأن غالبية الأردنيين لا تريد العودة إلى فترة ما قبل هذا القرار والتي شهدت خلافات واسعة وشقاقا مؤسفا ومناخ من عدم الثقة بين الطرفين تبدد بشكل كبير بعد قرار فك الإرتباط. ومع أننا لا نريد أن ندخل البعد الإسرائيلي في العلاقة الأردنية-الفلسطينية فإننا ملزمين بذلك، وتصريحات الجنرال نافع البعيدة تماما عن اللياقة تعكس توجها إسرائيليا لا يمكن نكرانه في إمكانية الخلاص من القضية الفلسطينية عبر الحل الأردني، وهي توجهات قد تستمد الكثير من القوة بسبب تصريحات غير مسؤولة مثل التي أطلقها السيد نزال. لا يوجد أحد في الأردن غير مهتم بوجود علاقات مستقرة وودودة مع حكومة فلسطينية بقيادة حماس فهذه مصلحة أردنية وفلسطينية في نهاية الأمر، ولكن علينا أن نبدأ معا بشكل صحيح، والخطوة الأولى هي في احترام سيادة الأردن وعدم قبول إزدواجية الهوية السياسية، فرئيس الوزراء الأردني عندما يستقبل السيدين محمد نزال وخالد مشعل بحاجة إلى أن يعرف مع من يتحدث، مع مواطنين أردنيين أم مع قياديين في تنظيم فلسطيني يقود الحكومة الفلسطينية. أبدا لا يمكن أن تكون هناك قبعتان على رأس نزال ومشعل وكافة قيادات حماس من المواطنين الأردنيين، ولا يمكن أن تتباحث الحكومة الأردنية مع حكومة فلسطينية لم تحدد موقفا عاما وموثقا بشكل رسمي من قرار فك الإرتباط، وهذا في اعتقادي هو مطلب شعبي أردني قبل أن يكون مطلبا حكوميا. نتطلع قدما إلى استقبال قادة حركة حماس والحكومة الفلسطينية القادمة من قياديي الداخل الفلسطيني والتفاهم على مجموعة من المبادئ السياسية لمصلحة البلدين، وحتى يتم ذلك نرجو من حركة حماس حصر التعليقات السياسية الخاصة بالعلاقة مع الأردن بناطق رسمي لا يحمل الجنسية الأردنية ويعبر عن الموقف الجماعي الرسمي للحكومة الفلسطينية وحركة حماس، راجين لهم التوفيق في الوصول إلى القرار السليم.
الاثنين, 27 فبراير, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












