التبرير الذي يصلنا من أوروبا حول استمرار نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في الصحف الأوروبية يعتمد حجة حرية التعبير وحجة سيادة العلمانية في التشريعات والقوانين الأوروبية. ومع أن هذه الحجة تسببت في رد فعل كاسح في العالم الإسلامي ضد "حرية التعبير" وضد العلمانية وكأنهما مسؤولتان عن الجريمة الثقافية التي ارتكبتها بعض الصحف الأوروبية، فإنه من المفيد التأكيد على أن كلا الحجتين واهية، إلا في حال اعتبار العلمانية عقيدة متعصبة جديدة لا تحترم الرأي الآخر، واعتبار "حرية التعبير" أداة للإساءة إلى مشاعر الناس. هناك الكثير من العلمانيين في العالم الإسلامي وأوروبا ممن تجمعهم القناعة بفصل الدين عن الدولة وإعلاء سيادة العقل في تسيير شؤون الحكم. ولكن في هذه العلمانية لا يوجد ما يشير إلى حرية البعض في إيذاء معتقدات ومشاعر ملايين الناس من خلال رسومات مسيئة. أحد المبادئ الرئيسية في العلمانية هو إحترام ثقافة وديانة الجميع سواء الإسلام أو المسيحية أو اليهودية واحترام الديانة البوذية والهندوسية واحترام حضارة المايا وحتى ثقافة رجال الأدغال في الأمازون، لان التعددية الثقافية هي جوهر العلمانية والمبدأ الأول في التعاون الإنساني، ولهذا فإن جميع المسلمين حتى العلمانيين منهم يتوقعون في المقابل احتراما للثقافة العربية والإسلامية ضمن سياق العلمانية الأوروبية نفسها. النبي محمد عليه الصلاة والسلام جاء إلى البشرية برسالة السلام والتسامح، والنقلة النوعية التي أحدثها في الظروف الاجتماعية والاقتصادية للجزيرة العربية تستدعي كل أنواع الاحترام حتى من المثقفين الغربيين الذين درسوا الإسلام بمصداقية. والنبي محمد لم يكن –لا سمح الله- عنيفا ليرسمه الرسام الدنمركي السخيف مرتديا عمامة على شكل قنبلة، فالدين الإسلامي أعلى من شأن العقل والعلم ، وحتى لو كان التعصب والتطرف قد انتشر لدى بعض الأصوليين في العالم الإسلامي لكن الغالبية العظمى من المسلمين أصحاب وسطية واحترام لثقافات الآخرين كما علمنا جميعا الرسول عليه الصلاة والسلام. مشكلة العلمانية في أوروبا وكذلك بالنسبة لبعض العلمانيين العرب أنها أصبحت مقتصرة على مفهوم "معاداة الأديان" والاستهزاء بقيم الأديان سواء كانت الإسلام أو المسيحية أو اليهودية وقد أحسست بكثير من الاحترام لكبير الحاخامات في فرنسا والذي انتقد نشر الرسومات واعتبرها إهانة للأديان، بينما هناك في العالم العربي مثقفون يدعون الحضارة والتقدم والعلمانية ممن يؤيدون نشر هذه الرسومات أو يجدون التبرير لها ويقدمون دفاعا مخزيا عن الرأي الأوروبي والدنمركي. أن العلمانية تعلي من شأن العقل ولكنها أيضا تهتم بحرية المعتقد واحترام الثقافات، وتحويل العلمانية إلى عقيدة متعصبة في أوروبا بات يشكل أزمة حقيقية لأن على الأوروبيين أن يتعلموا احترام الاختلاف وعدم التعامل بعنصرية وفوقية مع الثقافات الأخرى. صحيح أن بعض الأبعاد في ردة الفعل الإسلامية كانت خاطئة وغير مقبولة مثل حرق الأعلام الدنمركية والنرويجية وهدر دم رعايا الدول التي نشرت بعض صحفها الرسومات لكن هذا التعصب ليس قائما لدينا فقط بل أيضا ساهم التعصب العلماني في أوروبا في زيادة حجم المشكلة. على العلمانيين في أوروبا مراجعة مفهوم العلمانية والتفريق ما بين فصل الدين عن الدولة كمبدأ سياسي وما بين معاداة الأديان بطريقة غير مبررة، وأنا واثق بأن كل العلمانيين في الشرق الأقصى وأميركا اللاتينية وإفريقيا يحترمون ثقافاتهم وأديانهم وحضاراتهم المحلية ولا يسمحون للتعصب العلماني الأوروبي أن يسئ إليها وهذا هو دور العلمانيين العرب كأداة للحوار الثقافي الأوروبي-العربي واحترام الثقافات المتبادل وليس أداة للطعن في الثقافة العربية، فلن يحترم أي أوروبي علمانيا عربيا لا يحترم ثقافته المحلية.
السبت, 04 فبراير, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












