أصدرت جامعة اليرموك مجموعة من العقوبات التأديبية بحق الطلبة الذين تسببوا في المشاجرة الجماعية التي وقعت في الجامعة الأسبوع الماضي على خلفيات عشائرية وليس إنتخابية كما حاول البعض تصويرها للطعن في النشاط السياسي والعمل العام في الجامعات. هذه العقوبات كانت أسهل من المطلوب إذ أنها في النهاية تسمح للطلبة المتسببين في المشاجرة بالعودة إلى مقاعد الدراسة ولو بعد حين وربما يكون هناك دافع تأديبي وليس عقابي وراء إعطائهم فرصة أخرى علما بأن الذي يحول حرمة الجامعة إلى ساحة معركة مكانه ليس في الجامعة. وعلى كل حال فإن الطلبة المتسببين بالمشاجرة ليسوا هم الوحيدين الذين يتحملون المسؤولية ويستحقون نوعا من العقاب لأن هناك أطرافا أخرى خارج الجامعة والوسط الطلابي تسببت في هذه المشاجرة ومعظم المشاجرات السابقة. وقد ركز بعض الزملاء الكتاب على دور الحكومات المتعاقبة في تشجيع نمو تيار متعصب يعتمد على الولاءات العائلية والعشائرية والجهوية بهدف مواجهة التيارات الإسلامية في تسعينات القرن الماضي وقد كنت شاهدا على هذه التحولات في الجامعة الأردنية. ويبدو أن هذا "المارد المتعصب" قد خرج من قمقم السيطرة وبات يساهم في تشكيل وعي متعصب مرتبط بالولاءات الجهوية وقابل لافتعال وتكبير كل المشاجرات في الجامعات ضد مكوناته الذاتية وليس ضد التيار الإسلامي بالضرورة. ولكن وضع كل المسؤولية على الحكومات في نمو التوجهات الإقليمية المتعصبة يبقى نظرة أحادية الزاوية لأن هناك سببا مهما آخر وهو الثقافة السائدة في التنشئة الاجتماعية وفي المجتمع الأردني والتي تساهم في التخندق خلف الولاءات العشائرية والتعصب كوسيلة للتمتع بهوية جماعية خاصة لدى الشباب بعد أن اصبح الحصول على هوية سياسية ناضجة صعبا جدا فيتم التركيز على الهويات العرقية والجهوية. بشكل عام فإن الثقافة الاجتماعية في الأردن قائمة على الموروثات حيث تقوم العلاقات بين أفراد المجتمع على الأسس الموروثة اجتماعيا ودينيا ومن أهمها تضاؤل قيمة الفرد مقارنة بقيمة المجموعة الاجتماعية (العشيرة، القبيلة، العائلة) وهي أيضا مبنية على عصبية القرابة. وبالرغم من أن السنوات الماضية شهدت تطورا في المؤسسات الثقافية المبنية على الأفكار والقيم الطوعية التي يتجه لها المنتمي طوعا خارج أطر القرابة العائلية، وهي المؤسسات التي نسميها مؤسسات المجتمع المدني فإن الانتماءات الاجتماعية القبلية بقيت دائما هي السائدة وأحيانا تطغى حتى على سلوك أفراد منتمين لمؤسسات مدنية وأكاديمية وخاصة. ولكن كيف تساهم هذه الثقافة في نمو العنف؟ من الضروري التأكيد بأن العنف في الجامعات هو جزء من العنف في المجتمع بشكل عام، والثقافة الاجتماعية السائدة تعكس نفسها على شكل قوانين وتشريعات. وفي الأردن تساهم الثقافة الاجتماعية المعتمدة على الموروث القيمي التراثي القبلي بشكل رئيسي في حالات العنف عن طريق صياغة وحماية قوانين وتشريعات يمكن أن تساهم في تشجيع العنف الاجتماعي وإعطاء الفرصة لمرتكبي هذا العنف للخروج من إطار الالتزام بالتشريعات. أحد أهم عناصر تشجيع العنف في التشريعات الأردنية هي قوانين تخفيف الأحكام الصادرة على مرتكبي العنف تجاه النساء في الأسرة الواحدة بحجة الوقوع تحت "سورة الغضب" وهي قوانين معتمدة على ثقافة اجتماعية سائدة من الصعب تغييرها. أن الكثير من الشبان من مرتكبي العنف ضد النساء يعتمدون على النص القانوني الذي يتيح لهم مخرجا ومهربا بعد ارتكاب الجريمة بتبريرها بسورة الغضب، خاصة وأن الثقافة السائدة تجعل من الذكر وصيا على الأنثى وسلوكها وتعتبر أن ارتكاب العنف ضد النساء هو وسيلة تأديب وحماية للشرف أكثر من كونها جريمة. ولا تقتصر مشاكل القانون العشائري عند هذا الحد، بل تمتد لتشكل عامل وقاية وحماية في العديد من حالات الإعتداء وتساهم في منع تطبيق قانون الدولة. إن الطالب الذي يعتدي على الأستاذ والمدير ويطعنه بسكين أو المواطن الذي يضرب ممرضا وطبيبا في مركز صحي يعرف بأن التهمة التي سيتعرض لها لن تكون الشروع في القتل بل مشاجرة في مكان عام وهي قد تنتهي بتدخل من وزير أو نائب أو شخصية مهمة تضغط على الضحية لسحب شكواه مقابل فنجان قهوة وأن هذا الشاب لن يقضي وقتا كافيا في السجن ليتعلم أن هذا البلد يدار بقوة القانون لا بقوة العلاقات الاجتماعية. ولهذا تتكرر هذه الحوادث لسبب بسيط جدا وهو عدم وجود رادع قانوني قوي يجعلها تقف عند حدها. وبالإضافة إلى ذلك هناك الكثير من العوائق التي تواجه الأمن العام والمؤسسات المختلفة المعنية بتطبيق القانون ملاحقة العنف في الأردن، لعل أهمها البنية الاجتماعية للمجتمع الأردني وقيام بعض المجرمين بالاعتماد على عشائرهم وعائلاتهم ومعارفهم من أجل الحماية وتجاوز القانون الأردني والهروب من العقاب. ومثل هذه الخصائص هي الأشد تأثيرا في منع رجال الأمن من القيام بواجبهم، حيث يصبح عليهم مواجهة مئات وآلاف الأشخاص الأبرياء بدلا من مواجهة عصابة صغيرة بسبب العصبية القبلية التي توفر الحماية لبعض الخارجين عن القانون. أية قيم إذا يتعلمها الشباب في هذه البيئة العنيفة، وهل تقوم أنظمتنا الاجتماعية بخلق مشاريع مجرمين يعتدون على الناس بدون عقاب وتحويل كل الشباب إلى طريق العنف حتى للدفاع عن أنفسهم؟ القضية تتطلب الكثير من التوعية والضبط على المستوى الأسري، والتخلي عن ثقافة القوة الجسدية والكثرة العددية ولكن الأهم من ذلك سيادة القانون المدني وقانون الدولة والذي يضمن بأن كل شخص يعتدي على شخص آخر يجب أن يعامل معاملة المجرم وأن يقضي فترة طويلة في السجن ليتعلم فيه التربية إذا كان لم يتعلمها في بيته وبدون النظر إلى أية خصوصيات اجتماعية. سيادة قانون الدولة والحق العام هو الحل الوحيد الذي يمنع الشباب في الشوارع من التحول إلى مجرمين يهددون أمن المجتمع والأسر والمواطنين في كل مرة يرتكبون فيه اعتداء على الآخرين ثم يخرجون بزفة إلى بيوتهم ويعاملون معاملة الأبطال بينما يكتم أهل الضحية غيظهم انتظارا لفرصة الثأر مع التخلي التام عن كل ايمان وقناعة بالقانون والنظام والذي لا يحق الحق ويمنع الباطل!
السبت, 16 ديسمبر, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 26 ديسمبر, 2006 06:42 ص , من قبل \AMJAD
من الأردن
من الأردن

سيد باتر شكرا لك لتحليلك لمجتمعنا القبلي أنا مثلا افراد عائلتي لا يصلون الى عشرة فكيف ستكون حياتي في مجتمع قبلي وانا لا املك قبيلة .. القانون يجب ان يكون قبيلتنا كلنا هو من يحمينا ويدافع عنا اما في القبلية فقد يغلب الكم الشجاعة.
اضيف في 07 يناير, 2007 08:12 م , من قبل عمر أبو قعدان
من الأردن
من الأردن

هم أرادوها قبلية ليقضوا على السياسين و هاهي القبائل تنهب الأردن و تعلن أن القبيلة أولا و قبل كل شئ
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من الأردن
Mr. Batir
I hope you could conclude the main reason for this mess as you're so tied to it... and I thought it would be great from you to discuss it.