يتركز طموح الغالبية العظمى من الشعب الأردني، والتي تتشكل من الطبقتين الوسطى والفقيرة على تحقيق "أمن اجتماعي واقتصادي" للأسرة من خلال وجود القدرة على تحصيل خدمات الصحة والتعليم بشكل أساسي، والخدمات الأخرى الضرورية للحياة اليومية مثل التغذية والسكن المستقل. هذه الطموحات البسيطة تشكل تحديا حقيقيا لمعظم الأسر الأردنية، وفي ظل التحول الاقتصادي الهائل الذي يشهده الأردن حاليا فإن هذه التحديات أصبحت أكثر صعوبة وباتت تقترب إلى مستوى الاستحالة لدى معظم الفئات الاجتماعية. في المناطق الريفية في الأردن، سواء في الجنوب أو الشمال أو الوسط، يبقى التعليم هو الطموح الأهم للأسرة الأردنية، وقد شهدنا في عدد كبير من الحالات أن مجموعة من الأغنام أو الأراضي الزراعية الصغيرة كانت سببا في تحقيق التعليم الجامعي للشباب والدخول إلى سوق العمل، بينما كان بيع الأراضي للأثرياء والمتنفذين سبيلا آخر للأسر الأردنية لضمان التعليم العالي لأبنائها. وفي المناطق الحضرية تكون الضغوطات أكبر، وتضطر الأسر إلى بذل جهود مضنية في العمل لضمان تعليم جيد للأبناء، إضافة إلى محاولات مضنية للحفاظ على القدرة الشرائية للأسر في ضمان الرعاية الصحية والمسكن، وإذا ما زاد الطموح فإن امتلاك سيارة يصبح قفزة نوعية لدى العائلات المستورة في الأردن. وما يحدث حاليا أن السياسات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة بتوجيهات صندوق النقد الدولي تقلل من فرص الأسر الأردنية في تحقيق هذه الطموحات، من خلال التوجه المتزايد لرفع الأسعار والضرائب وتقليص الدعم عن الموارد الرئيسية، وقد واجه الأردنيون هذه التحديات بكثير من الصبر بناء على القناعة بوجود ضغط اقتصادي على الأردن كدولة غير نفطية ومعرضة لهزات سياسية واقتصادية، وأثبت الشعب الأردني في الواقع الكثير من الصبر والنضج في مواجهة هذه الضغوط، حتى وهو يشاهد الترف والبذخ الذي يرتبط بنمط حياة الأقلية الثرية في المجتمع ومقدار الإنفاق والاستهلاك الفارغ الذي يرتبط بأداء الحكومة ومجلس النواب خاصة في السفر والسيارات وغيرها من المكتسبات المادية التي تأتي على حساب مصالح المواطنين. ولكن المشكلة هي في بعض السياسات الموجهة التي تثير الاستفزاز وتخدم مصالح الأقليات الثرية والمتنفذة من الأردن وخارج الأردن على حساب الطموحات البسيطة المشروعة للمواطنين الأردنيين. وفي هذا الصدد نتذكر قيام حكومة سابقة بتغيير قوانين اقتصادية مثل التأمين لخدمة مصالح أصحاب الشركات، وقيام الحكومة السابقة باتخاذ عدة قرارات غير مفهومة مثل رفع أسعار السيارات الصغيرة التي تشكل حلم غالبية الأردنيين مقابل تخفيض أسعار السيارات الكبيرة التي يعجز عن شرائها معظم الأردنيين باستثناء الأقلية الثرية المترفة، وكذلك وجود توجهات تثير القلق نحو خصخصة خدمات التعليم العالي والصحة وكذلك التزويد المائي، وهي كلها سوف تؤدي إلى تآكل القدرات الاقتصادية للمواطنين الأردنيين. أما أخطر هذه التحولات فهي فتح مجالات الاستثمار في العقارات والأراضي أمام العرب الأثرياء الآتين من الدول الشقيقة والباحثين عن استثمارات آمنة. فتحت شعار "تحريك الوضع الاقتصادي" في الأردن يتم فتح المجال أمام استثمارات عربية بقوى رأسمالية هائلة يعجز المواطن الأردني عن مجاراتها وتكون النتيجة في النهاية استحالة حصول المواطن الأردني من الطبقة الوسطى أو الفقيرة على فرصة لشراء شقة أو قطعة أرض إلا إذا بقي يرزح تحت الدين طوال حياته. كل هذه التغيرات الاقتصادية حدثت في الأردن كما تحدث في دول نامية كثيرة تمر في مرحلة التحول من اقتصاد الريع العام إلى اقتصاد هيمنة القطاع الخاص. ولكن المشكلة المزدوجة لدينا في الأردن هي في عدم وجود "سياسات أمان اقتصادي" للفئات الفقيرة تحميها من تبعات الانفتاح الكامل، ولم تقدم الحكومة في الواقع أية برامج لدعم الفقراء إنتاجيا باستثناء برنامج تعزيز الإنتاجية في وزارة التخطيط والذي حاول مساعدة المجتمعات المحلية على امتلاك مهارات إنتاجية لتحقيق استقلال اقتصادي عن نظام الرعاية العامة للدولة. والمشكلة الثانية هي في انتهازية القطاع الخاص الأردني بشكل عام، وعدم وجود تدخلات تنموية من القطاع الخاص تساهم في عمليات التنمية الاجتماعية. يطلب القطاع الخاص في الأردن فتح كل مجالات الاستثمار ولكنه في المقابل لا يقوم بأي دور في التنمية، وقد عبر جلالة الملك عن هذا القلق في بعض التصريحات الأخيرة ولكن بدون أن يحرك القطاع الخاص ساكنا للالتزام بمسؤولياته الوطنية مقابل حصوله على كل الامتيازات التي يريدها. وإذا أضفنا إلى ذلك حالات الفساد المنهجي، وازدواجية الدور الذي يلعبه بعض متخذي القرار في القطاع العام ما بين السياسة والتجارة فإنا نجد تحولا اقتصاديا مشوها نحو الانفتاح يساهم في تعميق الفوارق الاقتصادية بين المواطنين وضياع ملايين الدنانير التي يمكن أن تستخدم في تعميق أنماط الإنتاجية في المناطق الريفية في الأردن وتحسين ظروف الحياة في المدن. لا بد من مراجعة صادقة وواعية لتأثيرات البرنامج الاقتصادي الليبرالي على المجتمع الأردني وذلك لمصلحة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وبالطبع الاستقرار السياسي فهناك الكثير من الدروس المستفادة في مجتمعات أخرى من الدول النامية حول الكلفة السياسية والاقتصادية للانتقال إلى النموذج الاقتصادي الليبرالي ولا بد من أن نكون أذكياء في التخطيط حتى لا يتعرض الأردن إلى حالة يدفع فيها كلفة سياسية عالية لسياسات اقتصادية تساهم في تقوية الأثرياء والمتنفذين وتساهم في قتل الطموحات البسيطة والمشروعة للغالبية العظمى من المواطنين الأردنيين.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

اوافقك تماما, واعتقد ان النقطة الاساسية وراء هذه الاوضاع المغلوطة هي الية صنع القرار بكل ما يتعلق بالاقتصاد الاردني, لانه عندما تترك صناعة القرار الاقتصادي لمجموعة "تجار" وراسماليين فان العائدات ستضمن التوزيع الخاطئ للثروة, وعندما تضيف اوامر صندوق النقد والبنك الدولي للطبخة فانك ستحصل على نظام يحرق الطبقات الفقيرة والوسطى(اذا في وسطى) . وعمان شاهد صارخ على ذلك.
في بعض الاحيان اسرح بانه في ظروف اخرى وزمن اخر كنا لنشهد ثورة حقيقية (نابعة من القلب) نحو العدالة الاجتماعية في الاردن. لكن المواطن اثبت انه "واجه الامور بكثير من الصبر".
OmAr, I think Jordanians internalize the hardship but it shows in their daily conduct hence the reputation for gloominess and abruptness.
من الأردن

Yousef, of course, and this is why I stated that between quotations
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














Excellent. Good work Batir..