مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

في استذكار وصفي التل

في يوم الثلاثاء الماضي كنت في القاهرة، وفي صباح ذلك اليوم قرأت الفاتحة على روح شهيد الأردن وصفي التل الذي صعدت روحه إلى بارئها في ذلك اليوم المشؤوم منذ 35 عاما نتيجة عملية إغتيال غادرة تمت في القاهرة. وفي أسبوع ملئ بالأحداث السياسية في عمان والعالم العربي أحببت أن أؤكد على ضرورة أن نتوقف عند هذه المناسبة لما تحمله من العديد من الرموز والمعاني، والثقل التاريخي والسياسي والذي يجب أن نفهمه بشكل واضح لا بشكل متعسف ومجزوء كما هي العادة.

 

عندما استشهد وصفي التل عام 1971 كان عمري سنتان فقط، ولم أكن أملك الوعي بما يدور في الدنيا آنذاك، ولكنني قرأت الكثير عن الشهيد وتاريخه وصفاته وسجاياه من قبل أصدقائه وأعدائه على حد سواء، واستنتجت في النهاية بأن هذا الرجل هو من أهم خمسة شخصيات صنعت الدولة الأردنية الحديثة، وحافظت عليها في أشد الظروف قساوة، ولهذا يجب أن يكون كل الأردنيين ممتنين له في كل يوم لأن الاستقرار والأمن الذي ننعم به في الأردن ربما ما كان سيتحقق لولا رجال مثل وصفي التل.

 

من الثابت أن الشهيد وصفي التل كان آخر رجل دولة أردني بالمعنى الحقيقي. صحيح أنه جاء بعده العديد من رؤساء الوزراء، وكانت هناك تجربتان لم تكتملان للمرحوم عبد الحميد شرف وأحمد عبيدات أطال الله في عمره، ولكن دور رئيس الوزراء بعد الشهيد أصبح دورا وظيفيا جمع في أحيان كثيرة ما بين السياسة والتجارة في غير صالح الدولة الأردنية، علما بأن هناك نوع من التغيير على هذا التوجه في الآونة الأخيرة نرجو أن يتاح له الاستمرار.

 

حمل الشهيد وصفي  التل عبء القضايا السياسية والعسكرية في المنطقة على كتفيه، وكان دائما هو السباق إلى تحمل مسؤولية قرارات تحتاج إلى الكثير من الشجاعة والحكمة وتعنى تداعياتها أن عليه أن يدفع الثمن لا أن يكسب الثمن. وهكذا كان انخراطه في صفوف المتطوعين العرب في جيش الإنقاذ عام 1948 ليشارك عسكريا في الدفاع عن فلسطين، وهكذا كانت قراراته الجريئة في إدارة الدولة الأردنية وتوجيه مواردها نحو التنمية والاكتفاء الذاتي والاستقلال والتركيز على أبقاء جذوة الكفاح المسلح وتمكين الجيش العربي من مواجهة إسرائيل، وهكذا أيضا كانت توجهاته بعدم المشاركة في حرب 1967 والتي كان من الصعب تقبلها سياسيا ولكن الأيام اثبتت مدى صحتها عسكريا واستراتيجيا. وهكذا أيضا كان تصديه للمسؤولية الصعبة والهائلة في قيادة مجهود حماية استقرار وأمن الدولة الأردنية عندما كانت الفوضى تدب عام 1970 وهي المسؤولية التي بقي يحملها طوال تاريخه ودفع ثمنها حتى بعد موته، ولكنه كان من القلائل الذين تحلوا بالشجاعة والثقة التامة بالدولة الأردنية لتنفيذ دور لا غنى عنه لبقاء الأردن مستقرا مستقلا، وهو قرار أثبتت الأيام ايضا بأنه لم يكن هناك مفر منه.

 

وعلى الصعيد الداخلي كان وصفي التل أبرز رؤساء الوزراء الأردنيين في محاربة الفساد، ولم يجمع بين السياسة والتجارة والمصالح الخاصة، ولم يبن الشركات والاستثمارات بل بقي دائما في تواضعه الأردني المعروف وبقي وفيا لمهامه السياسية وحمايته للدولة الأردنية، وبالنسبه إليه كان منصب رئيس الوزراء تكليفا ومسؤولية لا تشريفا. كما أن جهود الشهيد التل في التنمية الوطنية ومشاريع البناء والتشجير ونقل التنمية والخدمات العامة إلى كل قرى الأردن وبواديها كانت هي حجر الأساس لكل التنمية الحديثة في الأردن.

 

وللأسف فقد بقي وصفي التل مظلوما من قبل أعدائه واصدقائه ايضا، وظلم ذوى القربى أشد. الأسوأ في كل هذا الظلم أن يحاول البعض استخدام رمز الشهيد وإسمه وتاريخه في الترويج لأفكار إقليمية وانعزالية كانت مرفوضة تماما لدى وصفي التل. كما حاول بعض رؤساء الوزراء اللاحقين التشبه بوصفي التل وقامت بعض وسائل الإعلام  بتلميع بعض الشخصيات السياسية الأردنية التي أنتجتها مرحلة الأحكام العرفية والانفتاح التجاري وفورة النفط والنمو في موارد القطاع العام على أساس أنها قريبة من فكر وصفي التل، وهي في الحقيقة ابعد ما يكون عن ذلك. ومثل هذه المحاولات في ربط إسم وصفي التل بأفكار إقليمية أو شخصيات سياسية لم تتحمل مسؤولياتها من أجل الأردن ولم تدفع ثمن انتمائها له تعتبر إساءة حقيقية لتاريخ الشهيد بالرغم مما تدعيه من إحياء لذكراه.

نحن بحاجة ماسة في الأردن إلى سياسيين من طراز وصفي التل،  سياسيين أنقياء غير فاسدين ويملكون الجرأة والشجاعة في تحمل المسؤولية ويملكون انتماء حقيقيا للأردن بشعبه وتراثه وأرضه وموارده، ويملكون نفس نظرة وصفي التل غير المهادنة للنزاع العربي الإسرائيلي ولكن ضمن مصالح الأردن والتخطيط السليم لا العشوائي وتوجيه الموارد لبناء الأردن.

 

نتذكر وصفي التل ونحن نخجل من قيام البعض منا بتشويه تاريخه واستغلاله لأفكار ومصالح ضيقة، ونؤكد مرة أخرى بأن على جميع الأردنيين والعرب أن يعرفوا وصفي التل الحقيقي وهذا دور المؤرخين والباحثين الأردنيين الذين قصروا كثيرا في توثيق حقيقة هذا الرجل المتميز وهو بكل تأكيد آخر رجال الدولة الأردنيين والنموذج الذي لم تسمح الظروف والإرادات بتكراره حتى الآن، رغم كل إدعاءات المتشبهين به.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(7) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 01 ديسمبر, 2006 06:05 م , من قبل Zaid

Batr,
All the history of that era is vague and still very controversial to the new generation of Jordanians (and Jordanian-Palestinians) . In many cases , the same person is seen as hero by many and a villain by others. Do you think it’s time for discussion and openness about the 70s with all it’s major events including Black September? Is it time to start discussing the Palestinian situation in Jordan and the fate of the refugees?
Hope you're having a good time in Cairo


اضيف في 01 ديسمبر, 2006 06:18 م , من قبل batir
من الأردن

Zaid thanks for the comment. I am back from Cairo now and I have not seen a lot due to work committments.
I think each country needs to crystalize its history. However If we are about to open this discussion we should specify what is the purpose. If the objective is documenting history then we should work on original resources and not opinions. I will try in the coming few months to post some original historic texts about the troubled history of Jordan from different perspectives. Naturally a lot of people will disagree with the history glimpses but as a generation who are still confused with history that is haunting us we should be able to revisit it in a neutral manner.


اضيف في 01 ديسمبر, 2006 08:58 م , من قبل amjad027
من الأردن

بالطبع وصفي التل شخصية متميزة فشكرا لك للتذكير ولأضيف أيضا أنه والده ذلك الرجل الحر العظيم شاعر الاردن بلا منازع عرار -مصطفى وهبي التل - لم أر حرية ومساواة تتدفق من كلام مثل كلام عرار وحزنا واسى على امة ووطن بيع وهزم أمام ناظريه ،لا بد ان كان لهذا الاثر الكبير على وصفي ابنه .. وللمعلومة فقط فان قبر وصفي موجود على طريق عمان السلط قبل الجامعة الاهلية ويعاد بناءه الأن..


اضيف في 11 ديسمبر, 2006 05:45 ص , من قبل عاشق عرار

اقسم بالله العظيم
ان وصفي التل هو اشرف اردني ظهر .

رحمك الله يا وصفي ,والله لو بكينا عليك دم ما بنوفيك حقك .
انشاء الله انت شهيد وفي جنة الخلد ,واما الغادرين اللذين قتلوك فلقد رأئينا كيف كان جزائهم بالدنيا واما جزائهم في الاخرة فهذا في علم الله


اضيف في 21 ديسمبر, 2006 11:06 ص , من قبل حسين عبدالله نورالدين
من الأردن

أضاعوني وأي فتى أضاعوا...

في الثامن والعشرين من تشرين ثاني عام واحد وسبعين امتدت يد غادرة وأطلقت الرصاص على رجل عرفته فلسطين وعرفه الأردن وعرفته العروبة مناضلا قوميا صلبا شديد المراس لا ينافق ولا يساوم.
رجل لو أمهله القدر بضع سنين لربما كنا الآن نعيش في شرق أوسط مختلف.
إرادة الله أن يغيب وصفي.
وظن الذين غيبوه جسدا لا روحا أنهم قتلوه، ولكن شبه لهم وما قتلوه يقينا.
وصفي يعيش في قلوبنا وضمائرنا وهو مثلنا الأعلى في وضوح الرؤيا، وهو صاحب العقل والخلق في مواقف الرجال ـ الرجال الذين ما انحنوا أبدا.
كان وصفي يعيش حياته لامته
وهو إذ يكون غائبا عن أمته الآن فانه غاب ولسان حاله يقول:
سيذكرني قومي...

ولقد ذكرناه كثيرا


اضيف في 04 يناير, 2007 03:18 ص , من قبل محمد
من الأردن

عاش وصفي عربيا قوميا و ناضل من أجل قضيته و قضى لأجلها, فأضحى مثلا لن يتكرر للإنتماء والولاء للقيادة والقضية.

رحم الله وصفي و هزاع وكل أشراف العرب.


اضيف في 28 يناير, 2009 05:17 م , من قبل heppojo
من الأردن

لم يكن الشهيد وصفي التل اردنيا فقط بل كان عروبيا من الدرجة الاولى
كان رجل دوله من طراز نادر قلما تجود بمثله السنين
عاش رجلا و مدافعا عن مبادئه و مات لاجلها
رحم الله اخو عليا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني