مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

منع الملتقى المناهض خطوة "مناهضة" لمبادئ المشاركة الشعبية والإصلاح

كل التنظير الذي نسمعه ونقرأه يوميا عن الإصلاح السياسي والتعددية والمشاركة الشعبية في الأردن يصطدم بواقع مرير هو الذهنية العرفية التقليدية التي تسود صناعة القرار في بعض المؤسسات الهامة في الأردن، وفي الكثير من الحالات يتم اتخاذ قرارات غير منطقية وغير مدروسة تساهم في تشويه سمعة العمل العام والديمقراطي.

مثال واضح على ذلك هو قرار محافظ العاصمة بمنع إنعقاد الملتقى المناهض لمنتدى المستقبل والذي تقوم بتنظيمه مجموعة من النقابات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وهو عبارة عن مؤتمر أكاديمي ثقافي يحمل فكرا مناهضا ومختلفا عن فكر منتدى المستقبل والمؤتمر الموازي له الذي تنظمه بعض مؤسسات المجتمع المدني. هذا المنع غير مبرر وحتى لو كان مستندا إلى صلاحيات المحافظ الممنوحة بموجب قانون الاجتماعات العامة فهو يشكل إساءة إلى سمعة الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الأردن.

 في كل دول العالم نمت ظاهرة المؤتمرات والنشاطات المناهضة لفكر العولمة الرأسمالية، وفي دول كثيرة أصبحت هناك مؤسسات دولية مختصة بمناهضة العولمة تنظم لقاءات إقليمية ووطنية ودولية لجمع كل المشاركين في هذه الأفكار من كافة قارات العالم، ويتم طرح هذه القناعات بشكل ديمقراطي مسؤول وبترحيب وانفتاح من السلطات التي تقوم أحيانا بإتخاذ قرارات جديدة مبنية على التوصيات التي تصدر عن هذه الملتقيات وتصب عادة في مصلحة الفئات الاجتماعية المهمشة. ولكن يبدو أننا في الأردن وبالرغم من كل الحديث عن التنمية السياسية لا زلنا نجد صعوبة في تقبل الرأي المخالف.

إذا كانت فلسفة فانون الاجتماعات، وهو قانون عرفي بامتياز هي حماية الممتلكات العامة من حالات شغب قد ترافق التجمعات فما هو نوع الشغب الذي سيطرأ في ورشة عمل أكاديمية وثقافية وفكرية تنظمها مؤسسات وطنية مسؤولة ولها تاريخ معروف من الحرص على أمن البلاد؟ هل سيقوم د. وليد عبد الحي استاذ العلوم السياسية المعروف بحمل قنوة وتكسير السيارات في محاضرته أم أن د. منير شفيق سوف يطالب الشباب بتنفيذ عمليات إرهابية؟

هذا ملتقى للعقول والأفكار، وكل المحاضرين في هذا اللقاء لا يحملون إلا ثقافتهم سلاحا لهم وهم من الباحثين المعروفين ولهم كل الحق في إبداء آرائهم، لأن أي بلد ديمقراطي ولو نسبيا- وليس مثل النموذج الأردني الذي نفاخر به الدنيا- لا يجد مشكلة في السماح بعقد هذا الملتقى.

تبرير منع انعقاد المؤتمر كان أيضا مرتبطا بعقده في فندق، وهذا أيضا أمر غير مفهوم. ما الذي يمنع عقد هذا المؤتمر في فندق أو حتى في ستاد عمان الدولي أو المركز الثقافي الملكي أو قصر المؤتمرات في البحر الميت؟ وهل هناك قاعدة فقهية قانونية تقول بأن كل مؤتمر مناهض للعولمة يجب أن يبقى محصورا في أروقة مجمع النقابات وتحت حراسة مشددة تجعل عدد المحاضرين أكثر من المستمعين؟

وعلى كل حال يمكن للقائمين على هذا الملتقى أن يضعوا الحكومة في موقف محرج جدا في حال تمكنوا من إنشاء شبكة من العلاقات الخارجية مع منظمات المجتمع المدني الدولية المناهضة للعولمة وهذا يتطلب طبعا الخروج من أسر وهم التمويل الأجنبي المشبوه الذي لا تزال النقابات والأحزاب تتحرك في سياقه، فالمجتمع الدولي بات متعدد الأطراف وسوف تجد هذه النقابات والأحزاب أن هناك آلاف المنظمات في العالم التي يمكن أن تحمل قضيتها وتطالب بحقها في عقد هذا الملتقى.

الخطوة الأخرى قد تكون إرسال رسالة إحتجاج إلى سكرتارية مجموعة الدول الصناعية نفسها التي تقوم بتنظيم منتدى المستقبل مفادها أن مؤتمركم عن الإصلاح والمشاركة الشعبية والتعددية لا يحتمل سماع رأي مخالف فكيف يمكن ترويج الإصلاح بإتجاه واحد فقط، وسيفاجأ القائمون على الملتقى المناهض لمنتدى المستقبل أن سكرتارية مجموعة الدول الصناعية قد تستجيب معهم أكثر من الحكومة!

أما الخطوة الثالثة فهي من مسؤولية منظمات المجتمع المدني التي سوف تعقد المنتدى الموازي لمنتدى المستقبل ضمن إطار المنتدى ومبادرة الدول الصناعية، وهذه المنظمات مدعوة لإتخاذ موقف جرئ بمقاطعة المنتدى الموازي طالما لا يسمح للطيف الآخر من منظمات المجتمع المدني بالتعبير عن رأيها.

المرجعية الرئيسية في كل هذا الحديث هي سمعة الأردن كدولة تحاول تقديم نموذج في المشاركة الشعبية والتعددية، ومنع الملتقى المناهض هو بمثابة توجه في الاتجاه المعاكس تماما. التعددية تعني إعطاء المجال للأفكار والآراء المختلفة للتعبير عن نفسها بحرية ضمن الإطار السلمي الذي تتميز به مثل هذه اللقاءات الفكرية والثقافية، والمشاركة الشعبية تعني إعطاء المجال أمام المؤسسات والمنظمات التي تمثل المجتمع المدني لعرض وجهة نظرها في قضايا حساسة وهامة تشكل أهم محاور التنمية السياسية والاقتصادية والإنسانية في العالم.

لا تزال الفرصة سانحة للتراجع عن هذا القرار ومنح الملتقى المناهض كل الصلاحيات والتسهيلات وتصوير جلساته تلفزيونيا وتغطيتها إعلاميا لأن أبجدية التعددية السياسية تتضمن حماية كل أشكال التعبير السلمي عن وجهات النظر وبدون ذلك لا يمكن أن تكون التنمية السياسية ولا الإصلاح إلا أضغاث أحلام وبيع للأوهام.

 

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني