منذ ثلاث سنوات على الأقل أصبح صدام حسين من شخصيات الماضي في العراق، وبالرغم من أن التنظيمات البعثية والقومية العربية والشارع العربي الرافض للاحتلال الأميركي كانوا يحلمون بأن صدام يقود المقاومة العراقية فإنه في حقيقة الأمر الذي كشفته كل الحقائق كان شخصا يحاول البقاء على قيد الحياة بكل الوسائل الممكنة حتى تم إلقاء القبض عليه. محاكمة صدام تحولت في معظم مجرياتها إلى مسرحية هزلية وأحيانا محزنة، فلم تكن تتوفر فيها أدنى درجات العدالة والمصداقية، وبالرغم من أن غالبية الشعب العراقي الذين تعرضوا للقمع والذبح وضياع أجيال كثيرة في الحروب العبثية سيجدون أن الحكم بالإعدام على صدام كان عادلا فإن التاريخ سوف يبقى يذكر أن الإجراءات لم تكن عادلة. غضب شديد ينتاب الشارع العربي خارج العراق من هذا الحكم، وهذا متوقع فالمواطنين العرب خارج العراق كانوا دائما يتمتعون بالشعارات الثورية للرئيس العراقي السابق وفشوا غليلهم أثناء ضرب إسرائيل ولكن هؤلاء الناس في شوارع عمان ودمشق وبيروت والقاهرة لم يكونوا هم الذين فقدوا أبنائهم وأزواجهم وآبائهم في عشرين سنة من الحروب والقمع والدكتاتورية والمقابر الجماعية، بل العراقيين الذين عاشوا في ظلام حكم قمعي. المشكلة الآن ليست صدام ولا حكم الإعدام بحقه والذي تم إقراره كما قلنا بدون الحد الأدنى من العدالة- وهي عدالة لم يوفرها صدام أبدا لكل من قام بإعدامه وهم يقدرون بالآلاف- وفي توقيت مناسب جدا للإدارة الجمهورية اليمينية في مواجهة انتخابات داخلية صعبة، ولكن الدولة العراقية نفسها التي تواجه خطر الإعدام التاريخي. العراق يمر بمرحلة خطيرة جدا من التفكك والإنقسام والفتنة الطائفية والنهب والسرقة والخطف وبدون أي جهد واضح من الحكومة العراقية لمنع هذا التدهور. لو تم إعدام صدام غدا هل سيتوقف الذبح الطائفي على الهوية والإسم، وهل ستعود فرق الموت الصدرية والحكيمية إلى رشدها وتوقف قتل أخوتها من العراقيين، وهل ستتوقف تنظيمات التكفير عن تفجير الأماكن العامة وإيقاع آلاف الضحايا، وهل تتوقف قوات الاحتلال الأميركي عن عدوانها ضد الشعب العراقي وجرائمها اليومية، وهل يتوقف الفاسدون في العراق عن نهب موارد هذه الدولة العظيمة وهل سيشعر المواطن العادي بالأمان وهل ستعود المدارس والجامعات إلى أعمالها وتعود الكهرباء والمياه والبنزين والخدمات الصحية في المستشفيات بدون ميليشيات الموت التي باتت ترتدي أطقم الأطباء والممرضين؟ ربما يستحق صدام حسين الإعدام في مقياس العدالة المجردة فقد تسبب في قتل آلاف الناس وتدمير حياة آلاف الأسر، ولكن هناك من تسبب بقتل 650 ألف عراقي في ثلاث سنوات وهناك من تسبب في نهب الثروة الطبيعية للعراق وهؤلاء يجب أيضا أن يقدموا للمحاكمة وهم يزيدون سوءا وإجراما عن صدام حسين لأنهم تسببوا في تدمير دولة ومجتمع كامل. للأسف ستكون الأيام القادمة مليئة بحملات تأييد ودعم لدكتاتور روع آلاف الناس في العراق، وسيستمر احتلال العراق وقتل مواطنيه والصراع الطائفي والعنف الانتقامي من التنظيمات البعثية، وفي النهاية سوف يدفع المواطن العراقي وحده الثمن. المواطن العراقي العادي هو الذي دفع ثمن سكوت العالم العربي على جرائم صدام وهو الذي يدفع الآن ثمن الاحتلال الأميركي ووحشية التنظيمات الطائفية، والعراق الذي هو أهم مليون مرة من صدام حسين معرض هو الآخر للإعدام فهل يمكن لأحد أن ينقذه؟
الاثنين, 06 نوفمبر, 2006
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 06 نوفمبر, 2006 01:26 م , من قبل batir
من الأردن
من الأردن

Thank you Ziyad for your opinion. I consider your blog to be the reference in honesty in reviewing the situation in Iraq so I am happy to see my view supported by someone like you. It is a chance for me to ask you about the real credibility of the baddel Iraqi coalition www.albadeeliraq.com since I feel they are also very honest and patriot but I need an insider's opinion as well.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














Thank you for this post, Batir.